د. مبارك الخالدي
الدوحة تقيم الآن عرسا من نوع مختلف. عرس بخوره عبق التاريخ والتراث والفن والأدب والفكر عندما يضوع من الأمكنة حين تضيئها الندوات والمحاضرات والأفلام والمسرحيات والاستحضارات المشهدية لفنون البحر وحياته؛ حياة أجداد ما اقتعدوا (السيف) خوفا وإعراضا عن مناطحة (أهوال) البحر. عرس مآدبه فعاليات يصعب حصرها وتجعل المسكونين بالهم الثقافي يتمنون لو أن في اليوم مساحة زمنية أوسع كيما يملؤونها بحضور ومتابعة ما يحبون ويعشقون.في عرس الدوحة، تتواشج في علاقة كولاجية كل معطيات ومجالات العمل الثقافي ليكون النتاج تشكيلا كرنفاليا شديد الإبهار. كرنفال يخرج الحياة من رتابتها وعاديتها، ويكون في الآن ذاته شاهدا ودليلا على الطاقة الإبداعية الخلاقة عند الإنسان.ترتفع في «الدفنة» الأبراج التي تبدو وكأنها في تنافس محموم للوصول الى السماء الأولى. هذه الأبراج أحد المؤشرات الى التطور الاقتصادي الكبير الذي تمر به الدوحة، وتغرس في تربته شتلات من أمانيها وأحلامها بالرقي والرفاه. وهي قبل ذلك كله دالة على ما هو أجدر بالالتفات إليه، أي إرادة الإنسان في قطر، وإصراره على أن يسير ويقف كتفا لكتف مع السائرين في ركب التطور الحضاري ليس في منطقة الخليج وحسب، بل في العالم كله.ما سيحدث خلال عام (الدوحة عاصمة الثقافة العربية) لا يقل أهمية عن التطور المادي التي تمر الدوحة بمخاضه وتتحمل بصبر وتجلد كل تبعاته. فالثقافة عمل وفعل يكشفان عبقرية الإنسان وقدرته على الإبداع و الخلق؛ خلق مختلف ومتنوع ومفتق لأكمام الدهشة، خلق يتجسد فيه توق الإنسان للجمال وانحيازه إليه، ويسرب في ثناياه أحلامه وآماله وأفراحه، ويخلط فيه أناته ولوعاته ومكابداته ومقاومته لكل ما هو مؤلم ومرعب وقبيح في الوجود. من هذه الزاوية، يحمل كل فعل وعمل إبداعي وثقافي دلالة تتوزع في اتجاهين: اتجاه التعبير عن توق ونزوع الإنسان الى العدالة والخير والحرية، واتجاه ممارسته الحرية عبر الإبداع والإنجاز الفني والفكري والمعرفي.