حسن السبع
«أدعو عليك أن تولد في عصر مهم»! شتيمة غريبة يوجّهها الصيني لمن لا يتمنى له الخير.. ويعلق الكاتب اليوناني كازنتزاكي في كتابه (تقرير إلى غريكو) على ذلك قائلا: «وهذا ما يجعل كلَّ إنسانٍ حيٍّ إنساناً معذبًا بفعل هذا المصير الدرامي لزمانه». وكان كازنتزاكي يقول هذا قبل ثورة الاتصالات، التي تنقل لنا أهوال زماننا لحظة بلحظة وبالألوان .. العصر المهم هو مخاض عسير مشحون بالتوقعات والمخاطر والآلام. فماذا عسى أن يقول لنا، الآن، نحن الذين قد ولدنا في عصر مهم جدا، ومن أهميته تلك تتوالد الهموم والآلام؟ ماذا سيقول لأولئك الذين ولدوا وحرائق العالم وعذاباته تتسلل إلى غرف نومهم منقولة على الهواء مباشرة وبالألوان؟ الواقع أن أي عربي تجاوز العقد الخامس من عمره قد شهد مخاضا زمنيا، توالت فيه سلسلة من الأخطاء والمغامرات السياسية والعسكرية، والنكبات والنكسات والهزائم والانقلابات والانقسامات واللافتات والشعارات والأوهام والحروب الإقليمية والأهلية والعنف والإرهاب والأزمات الاقتصادية، وتبديد الثروات البشرية والطبيعية، فإذا لم يُعِدْ التاريخُ نفسه بكل أخطائه وحماقاته، فإننا لم نترك للأجيال القادمة شيئا يعكّر الصفو. وإذا كنتَ من ذلك الجيل الذي عاش في عصر مهم، ولديك ذاكرة ليست مثقوبة، وعقلية غير معطوبة، فأنت، ولا شك، قد طحنتك وعجنتك التجارب، وجعلت منك حكيم زمانك، ويمكنك بالتالي أن تكون مؤثرا في مجتمعك .. لكن لا تتفاءل كثيرا، فقليل جدا من أولئك الحكماء من عاش ليلمس أثر تلك الأفكار والرؤى في مجتمعه، وكثير منهم قد مات وفي نفسه شيء من (حتى) .. مات وهو يحلم بمساعدة أخيه الإنسان على «تجاوز الوحش الكامن في أعماقه» حسب تعبير كازنتزاكي .. أقول إذا كنت من ذلك الجيل، الذي كتب عليه العيش في عصر مهم، فسيكون لك رأي مغاير لكل ذلك اللغط والصراخ، الذي يملأ الشاشات والشوارع والساحات والمنتديات .. وقد تساورك رغبة في أن تجنّبَ هذا الجيل الناشئ المتقد حماسة واندفاعا،كل تلك الويلات، لكي لا يعيش الحالة إياها، ولا يكرر الأخطاء نفسها .. لكن هذا مخالف لطبيعة الحياة، فلكل جيل مصيره الدرامي .. وعلى كل جيل أن يدفع ضريبة وجوده على هذه الأرض .. لذلك لن يصغي إليك أحد، أو يطيعك أحد، ولن يكون حالك أفضل من حال الشاعر دريد بن الصمة عندما قال: «أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى .. فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد»! ولا رأي لمن لا يطاع ..hsn_saba@hotmail.com