محمد العلي
الاعتراف بالآخر كان خلقا من أخلاق الفروسية وحيث إن مفهوم الفروسية قد قضى نحبه منذ زمن.. زال هذا الخلق .. وبقي الآخر كرة في أقدام الطغاة، والقساوسة، ولم يبعث ثانية إلا في عصر التنوير.. حيث بدأ مفهوم المساواة بين البشر يأخذ أبعاده في الحياة الاجتماعية تحت رقابة الديمقراطية والقانون.الاعتراف بالآخر ليس سهلا إلا نظريا في ساحة الإنشاء اللغوي.. أما تحوله إلى سلوك عملي فهو يتوقف على أشياء كثيرة.. انزرعت داخل الإنسان وعليه أن يجتثها من جذورها التاريخية.. وهذا ما يسمونه خرط القتاد.يتطلب هذا الاجتثاث الايمان بـ (التعددية) وهذا المفهوم الليبرالي يتوقف على مفهوم آخر هو الايمان بـ (تعدد الحقيقة) خارج التجربة.. كما يتوقف على الاعتراف بحق كل فرد في (الحرية) التي يحددها ويكفلها القانون القائم على قاعدة المساواة بين الناس.. وهذه الحرية تعني في احد معانيها الحق المطلق في الاختلاف الذي يعني نزع التعصب والقضاء على روافده العديدة من قبلية ودينية ومذهبية وأيدلوجية وكل نزعة تجنح إلى نفي الآخر.ترى ماذا يعني الآخر؟نحن هنا لا نسأل عن مفردة لغوية، حتى نصغي إلى القاموس.. بل نحن أمام مفهوم لم يتبلور إلا بعد تراكم دلالات وتكاثر شروط وسعة معرفة بحقيقة الإنسان .. كذلك لا نصغي إلى سارتر حين يئن قائلا : (الآخرون هم الجحيم) بل نصغي – ومع الأسف – إلى قول رامبو : (انا الآخر) الذي يوضحه الدكتور محمد حسين فنطر قائلا : (فلا وجود للأنا دون الآخر).نحن إذن أمام مسألة وجودية.. لا ثنائية عائمة.. فكل تميز نفسي وثقافي وتاريخي وجيني لا يمكن تجسده بدون وجود الآخر.. وهذه الضرورة الوجودية لم يصل إليها الوعي البشري إلا بعد أن ارتوت الأرض بسيول الدماء التي سفكتها الحروب والانقسامات والبغضاء كل ذلك بسبب تجاهل هذه الحقيقة الوجودية أو عدم وعيها !!وحين نقول (أنا والآخر) ترى ماذا تعني الأنا هذه؟ هي تعني (الإنية) الفردية أم تعني أنا/المجتمع أو أنا/الأمة؟ الفرد وحده لا يصنع أو لا يكفي لصنع وعي جماعي للاعتراف بالآخر.. وإذن فأنا تعني الـ (نحن) ولكن هل هذا متحقق حتى الآن على وجه الأرض؟ انه متحقق بشكل نسبي في البلدان المتقدمة.. أما في عالمنا.. فليس هناك نحن.. هناك أنا فقط.. وهذا هو سر الانحدار الأخلاقي والقانوني ولغة النفي التي لا نجيد غيرها.