مطلق العنزي

مطلق العنزي

وزير الإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة تحدث إلى الصحفيين قبل يومين في مقر «هيئتهم» في الرياض. وكان الحديث شجياً، يترع بالتفاؤل. وهذه سليقة المسئولين: متفاؤلون دائماً. أضف إلى أن الوزير شاعر والشاعر في مضاربنا العربية إما سطوع من التفاؤل او «برميل» من الشؤم موصل بقطعة ديناميت جاهزة للانفجار دائما.ونحمد الله أن وزيرنا شاعر متفائل. ولكن تفاؤل الوزير الشاعر تمادى إلى درجة أنه قد قال إن «الغوغائية الإعلامية» قد انتهت. وهذه أثمن بشرى يسمع بها عربي في هذه «الحقبة الغوغائية» من تاريخ العرب. لأن الغوغائية هي زعيمة الفيروسات المتنوعة التي تهاجم العرب آناء الليل وأطراف النهار. وهي وباء شرس ودائم ومستمر ومقيم «ما أقام عسيب» في ظهراني العرب وبطون أوديتهم. والأخطر أنه «يعشش» ويتناسل في المخيخات ويتولد مع كل فكرة ويتلبس كل سلوك. وينتج كل هذه «العجائب العربية» المؤلمة.الغوغائية الإعلامية هي التي خلطت الألوان وحولت الهزائم العربية إلى انتصارات، وقسمت العرب بين «مدن» شمالية تجزى النعيم وقبائل خليجية تسقى من زقوم. وحولت طاقة حركة حماس الخلاقة في تقسيم الصف الفلسطيني إلى «نضال». وضلالات القاعدة إلى «جهاد» وأمراض الحوثيين إلى «تحرر». كما صورت لنا كل تلك الأكوام من السطحية والهراء الذي يسكب في المؤتمرات العربية إلى أمجاد. وأعطت شرعية كاملة للمرضى الشتامين الذين يسعون في الفتن والسوءات. وأصابت كثيرا منا بـ«حول» دائم لا شفاء منه. وحولت العراق إلى «مكب» للأحقاد الطائفية. وقسمت لبنان الجميل إلى زوايا ومربعات كره. ونصبت الحواجز والأسوار بيننا وبين فضاء الدنيا. وقلبت الفهم والمفاهيم بحيث يصبح الفساد المبين نوعاً من الأعمال الفاضلة. وشرعت للنمامين أبوابها وتحرض على كل سوء، وتحارب الفضائل وتجلل عصرنا بالظلام.المشكلة ألا علاج لهذا الوباء سوى بـ«التفاؤل» بأن يقيض الله طيراً أبابيل ترجم شياطين الغوغائية وأتباعها وناشريها والساعين بها والذاكرينها بالخير. وعلاج آخر طويل الأناة وهو التأسيس لـ«صحوة مهنية» إعلامية ترمم الجراح وتداوي المكلوم بصحيح العقل والفكر لا بذر الرماد.والمحير الآخر هو ما طرحه وزير الإعلام أيضاً وهو ضرورة العمل على «تحديد مفهوم الحرية». وهذه أيضاً نسبية تغرق بها أطراف الأرض من شنغهاي إلى لاباز . فتعريف الحرية عند إنسان صحيح العقل والفكر، يختلف عن تعريف الحرية الذي يتجذر في مخيخ مريض مغرم بتقسيم تقاطيع الوجوه والجغرافيا والأشكال ونسج الإشاعات وعداء الأوطان. والحرية ليست قانونا وإنما أولاً شعور وموقف واحترام للذات ولجم واع للنفس من النزول إلى دونية الصغائر. وذلك يتطلب أولاً تثقيفاً وتنويراً للصحفيين. وقبل ذلك يتطلب أن تكون المؤسسات الإعلامية، مطبوعة ومرئية، مؤسسات مهنية لا تخضع للرغبات والأهواء والمحسوبيات. فإن لم تتحقق فلسفة مهنية منهجية حقيقية في المؤسسات لا قيمة لكل هذا الضجيج عن تطوير الخطاب الإعلامي. وسيكون حرثاً في عمق الأطلنطي أو غرساً في مفاوز الربع.أعان الله الوزير لأن الشق أكبر من أن يعالجه مئات من أمهر الراتقين. ومع ذلك مهمته، وحيداً، أن يحضر «المبيدات» (لمعالجة الطفيليات) وعدة الإصلاح ويبدأ بالرتق «فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ» (المائدة ـ52). وتــــرصوت حوضى يعانق غيوم عابرة، إذ غيلان ينحدر ولهاً للدهناء، ويشدو لمد البيد ووجه مي وأعواد النصي.وإذ شوية تنام إلى جانب سفح الرمال المهيب.وطلوح وادي المياه تضرب في عمق الثرى، والخاطر.هذا صوتك الأتقى.. وهذا شدوك النقي لدنيا لا ترهف السمع.malanzi@alyaum.com