محمد حمد الصويغ
من افرازات العولمة في أحد جوانبها السلبية المتعددة هذه الموجة العارمة من الاستهلاك لا لحاجة ملحة وضرورية من المواد الغذائية الاستهلاكية وغير الاستهلاكية وانما لمجرد الاستهلاك وتجريد الجيوب من محتوياتها حتى وان كان أصحابها من ذوي الدخول المحدودة المنهكة بركوب تلك الموجة السائدة للأسف الشديد في كثير من المجتمعات العربية دون استثناء مجتمعنا السعودي منها.. فحينما يدخل أحد المستهلكين مجمعا من تلك المجمعات التجارية الكبرى المخصصة لبيع المواد الغذائية فانه يخرج في معظم الأحايين بمشتريات تفوق احتياجاته الفعلية. هذه الحالة التي قد يملأ فيها المستهلك «عربة واحدة» من مشتريات فائضة عن حاجته يكون فيها لـ «وحده» أي دون أن يصطحب معه «أم العيال» فإن كانت برفقته أثناء جولته الاستهلاكية تلك فإنه دون أدنى شك سوف يخرج من هذا المجمع أو ذاك بأكثر من عربة محملة بأصناف عديدة من المعلبات والخضراوات والفواكه واللحوم والأسماك وغيرها من مواد غذائية وأخرى كمالية ربما يستهلك منها العشر أو أدنى والبقية الباقية وهي كثيرة إما أن ترمى في حاويات القمامة لفسادها وإما أن يخزن بعضها لفترة طويلة فتنتهي مدة صلاحيتها للاستعمال. ورغم أن هذه الطريقة في الاستهلاك موغلة في الخطأ إلا أن صاحبها قد يكررها أكثر من مرة في الأسبوع الواحد سواء كان بمفرده أو اصطحب معه «أم العيال» لتغدو تلك الطريقة عادة روتينية مستفحلة تكاد تقترب من حالة «إدمان» قد لا يشفى المصاب منها بسهولة.. وأظن ظنا قد لا يخامره الشك أنها لون من ألوان التبذير والإسراف والبذخ التي لا يجوز التشبث بها عقلا أو هي لون من ألوان الترف الذي لا يستحب استخدامه في حالات الرخاء والشدة لخروجه عن المألوف والعرف.. وأعتقد أنه من جانب آخر يمثل استنزافا لأموال كان يجب صرفها في قنوات أخرى تعود على أصحابها بالمنفعة والخير. ويحق للبعض منا أن «يترحم» على ما اصطلحنا تسميته بـ «الزمن الجميل» وهو كذلك بالفعل وقد عايشه الكثير منا فالصرف فيه على المواد الاستهلاكية يتم بطريقة عقلانية وصحية ويومية حتى بين الأسر الغنية التي لم تكن تلجأ الى عملية «التخزين» والحفظ رغم تواجد وسائل التبريد وقتذاك.. وهذا ما يفسر قلة الأمراض وصحة الأبدان في ذلك الزمن وكثرة العلل والأسقام في الزمن الحاضر الموبوء بالمعلبات واللحوم المشبعة بالمواد الكيماوية والموبوء بالوجبات السريعة التي لا يخفى على أحد أضرارها.. والموبوء بهذه الموجة من الاستهلاك دون حاجة فعلية لمعظم المواد الغذائية المكدسة في وسائل التبريد أو الغرف المعدة للتخزين.mhsuwaigh98@hotmail.com