محمد الحرز
سأتحدث في هذه المقالة عن أهم الدوافع الكامنة والمؤثرات الأولى التي تقودنا للتعبير عن ذواتنا, وعن تلك البدايات باعتبارها الشرارة الأولى التي تفضي بنا إلى الإبداع والشعر خصوصا. وسأتخذ تجربتي كمثال للحديث عن هذه الدوافع والبدايات. بالنسبة لي الدوافع غامضة كغموض الشعر, والبدايات لا أتبين طريقها بوضوح. ربما تربيتي الدينية الصارمة التي جعلتني أنسحب إلى عوالم داخلية هي إحدى أهم هذه المؤثرات. إن فتنة الإصغاء إلى هذه العوالم والاستيهام بها كبرت معي مثل كرة الثلج, ولا أعلم هل ما زالت ملتصقة بي أم أنها انهارت عند أول منعطف تعبره حياتي؟! كان على طفولتي أن تبحث لها عن منافذ أخرى, تفضي بها إلى مناطق رحبة وأكثر انفلاتا من تلك الصرامة التي تربيت عليها. ولم تكن أحلام اليقظة سوى الرهان على ذلك الانفلات. لكن إحساسي بالمخيلة بدأ مع تلك الحكايات الشعبية والغرائبية الأسطورية التي كانت ترويها جدتي حينما كنا أنا وإخوتي نتحلق حولها كالخيط المشدود إلى بكرته. كنت مشدودا بالرغبة فقط. رغبة الطفل المشدوه أمام إيقاع الكلمات المنفلتة من شفاه الجدة. رغبة الطفل الذي يرى في الحكايات ذاتها مجرد إحساس باللذة لا يدرك من أين تأتيه! ولا كيف تتملك شعوره! لم يكن يفهم ما خلاف الكلمات من معنى, رنينها وحده حين كان يقع كالصاعقة على أذنيه هو ما غذى إحساسه الأولي بالوجود, ما وثق علاقته بالأشياء من حوله. لاحقا كان عليه أن يراعي متطلبات هذا النوع من الإحساس, وهذا ما وفرته له البيئة التي عاش فيها. فمجالس العزاء والطقوس والاحتفالات التي كانت تقام فيها دوريا، هي التي حولت هذا الإحساس إلى هوية راسخة الجذور من العمق. وكان الشعر الإيقاعي الموزون هو الصوت الوحيد المعبر عنها من العمق, لأسباب تتعلق بالتقاليد الأدبية الراسخة في مجال هذه الطقوس. لذلك من الطبيعي أن يكون تفتحي على الشعر يبدأ من هنا. لقد كتبتُ الكثير من الشعر الموزون المؤدلج في تلك الفترة, رغبة في تكريس تلك الهوية. ومن ثم تحقيق الذات على مستوى الحياة الاجتماعية والأدبية في بيئة مثل بيئة الأحساء. لكني سرعان ما تخلصتُ من آثار تلك المرحلة, وما لازمها من قناعات تتصل بالحياة والفكر واللغة والشعر والثقافة والإنسان, وبالتالي انتهت تلك الكتابات إلى زوايا مهملة من الذاكرة. ربما يصعب التخلص من آثارها تماما. لكن فعل الإزاحة الذي ارتبط بأسلوبي الكتابي الإبداعي هو أحد أهم تجليات هذا التخلص الذي عنيته. من هذا المنطلق أعلنت انتمائي المطلق إلى قصيدة النثر دون التعصب لها بالمطلق. وهو إعلان جاء نتيجة تأملات وقراءات وعلاقات وانفتاح على ثقافات العالم بشغف وحب. بالطبع- من جهة أخرى- هناك عوامل ومؤثرات ومرجعيات متنوعة أثرت بصورة أو بأخرى على تجربتي الشعرية, منها شخصية جدي الكاريزمية برغم غيابها المستمر عن الأسرة بسبب السفر والعمل إلا أنها قادتني إلى حب الاطلاع وخصوصا التاريخ من خلال الكتب التي كان يحضرها معه باستمرار. لكن انتمائي لقصيدة النثر جاء أيضا من طريق اهتمامي باللغة لذلك حينما أصف علاقتي باللغة من هذا الجانب بالتحديد, يمكن الإشارة إلى أنها علاقة كانت منذ البدايات يشوبها الاضطراب وسوء الفهم, ولكن سرعان ما تحول لاحقا هذا الاضطراب إلى نوع من الوضوح والاستبصار في تلمس حدود وظيفة اللغة داخل القصيدة. ويمكن تشبيه هذه العلاقة بذلك البستاني الذي يقوم بين الفينة والأخرى بتشذيب أشجار حديقته كي تكون بالمظهر اللائق والجميل. لقد جئت إلى قصيدة النثر من موقع قناعتي التي تقول: إن القصيدة هي تجريب في اللغة فقط. وعليه فقد أفضت هذه النظرة الاختزالية في بعض الأحيان إلى قصائد يسيطر عليها هاجس التصور البلاغي للغة دون أن ترافقه رافعة للعلاقات التي يتأسس عليها المعنى أو عمق الفكرة. لذلك أجد نوعا من الفوضى تعم تلك القصائد حين أعود إلى قراءتها من جديد. لكن دعني أوضح أن السبب في هذه القناعة يعود بالدرجة الأولى إلى تأثري في قراءاتي الأولى حول مفهوم اللغة فلسفيا ونقديا وأدبيا وشعريا, وهي قراءات ذات طبيعة انتقائية. أي إنها قراءات لا تستمتع بالعمل الإبداعي ككل, بحيث تتذوقه من العمق, بقدر ما تقف مبهورة بالإنجازات التي يحققها الأسلوب اللغوي للعمل الإبداعي ذاته. هناك شعراء جربوا وكان خيارهم في الكتابة ينطلق من هذا المفهوم للشعرية في علاقته باللغة. لكني حينما أعدت النظر في مثل هذه التصورات والقناعات التي ارتبطت بمفهومي للشعر واللغة كان على تجربتي أن تكون أكثر خفة في التقاط الفكرة من رحم اللغة دون السقوط في فخ الولادة المتعسرة. هذا ما تعلمته من شعراء كبار: لوتريامون, ريلكه, بيارجان جوف, جوزيف برودسكي, يانيس ريتسوس, غليفك, وجورج حنين, فؤاد رفقه, صلاح ستيتيه, وعباس بيضون, سركون بولص. وهو تعلم سيفتح لي لاحقا طريقا لفهم الشعر بوصفه تجربة حياة بامتياز. Mohmed_z@hotmail.com