محمد العلي

محمد العلي

ملء الفراغ مصطلح استعماري عانت منه الدول الضعيفة ولا تزال.. ثم تمدد الى مصطلح سياسي .. وسمعنا بتعبير (الفزع العاطفي) والفراغ الذي يعانيه الافراد وبخاصة الشباب من انسداد الطرق لتصريف الطاقة.لا اقصد هنا أيا من تلك المصطلحات.. اعني ان مجتمعاتنا الآن تعيش في منطقة فراغ.. اننا بين ماض يحتضر وبين آت في المخاض.. لم يمت الماضي.. بمعنى اننا لم نستطع تجاوزه.. ولم يولد الآتي لأننا لم نستطع استقباله.. وفهم هذا لا يحتاج الى فكر عميق للوصول اليه والقناعة به.. فما العوارض التي تبدو في هذه الحالة على الفرد والمجتمع؟1- اختلال القيم :ان سلم القيم في هذه الحالة يفقد تدرجه .. يصبح افقيا .. فلا نعرف ما القيم الباقية من الماضي ولا تلك التي ستولد من الحاضر والآتي .. وهنا تفقد القيم ضرورة تمايزها لدى الفرد والمجتمع فيختلط الحابل بالنابل.2- عدم القدرة على رسم الطريق :وحين تنعدم هذه القدرة يصبح السير دائريا، لا فرق فيه بين الأمام والوراء أو الوقوف.. ولا فرق بين اليمين واليسار او البين بين.3- التيه بين الأماني وغياب الإرادة :ذلك لأن الأماني ليس لها عنان .. اما غياب الإرادة فلأنه لا موضوع لها لانعدام الرؤية التي يتم السلوك على ضوئها للوصول الى هدف ما.4- إتاحة الساحة للأفكار المتناقضة :نحن لا نعرف التناقض بين فكرة واخرى الا اذا كانت هناك موازين ومقاييس للصواب والخطأ .. وما لم تتضح هذه المقاييس وأهدافها تصبح كل الأفكار متساوية.5- الضياع النفسي الناشئ من غياب الرؤية:المشكلة ان هذه الحالة المأساوية قد طالت وتطول.. فهي ممتدة من القرن التاسع عشر حتى الآن.. لا لأنها مرت بدون جهد من مفكرين ومريدي إصلاح .. بل لأنه لا شيء حسم فيها ولا طريق قد أضيء فبقيت كل تلك المحاولات في قبضة التأرجح.المنتصر في هذه المأساة هو التيار الذي يدعو الى وأد الوعي وهو في حالة مخاضه.. مسيطرا على الساحة بقوة التقليد والعادة.. لكن هذه حالة الى زوال بكل تأكيد.mali@alyaum.com