محمد العلي

محمد العلي

البعد المكاني يولّد الحنين.. أما البعد الزماني فيولد الإعجاب الجامح والانبهار الشديد.. ولهذا نجد عند كثير من الأمم احترام الأجداد الذي يصل إلى التقديس.لماذا؟لأن أفكارهم وسلوكهم هي التي كوّنت بفعل التربية وبفعل اللغة مرجعيتنا المعرفية.. هي التي صاغت القيم وهي التي ترعرع عليها إدراكنا ووعينا.. وهذا بالإضافة إلى أنه سبب إضفاء القداسة عليها.. يورث الأجيال اللاحقة شللا غير مرئي يعيق عن اقتحام المجاهل المعرفية، ويبقي نمو المعرفة وتجاوز المألوف يدوران حول نفسيهما.. وهذا معناه تولد الشعور بالعجز، وزج المخيلة إلى تضخيم الأشياء الصغيرة التي يصعب تجاوزها إلا بقدرة نقدية تقوم على تفكيكها والتخلص المعرفي منها.إن الانفلات من القيد المعرفي المتوارث في جميع المجالات لا يتم من تلقاء نفسه.. إن له شروطه.. وأول تلك الشروط وأهمها هو (الوعي التاريخي) وهو حسب أحد كتابنا:«.. مفهوم حديث، يعني أن كل حدث محكوم بظرفه التاريخي.. وأن قيمته تنبع من تفاعله مع واقعه.. ولا يمكن فهم فكرة خارج سياقها التاريخي.. وغياب الوعي التاريخي يعني حضور الماضي في الوعي لا باعتباره ماضيا، بل أبديا».إن تلامذة فرويد لم يبقوا (عقدة أوديب) في نطاق علاقة الابن بالأب.. بل أسبغوها على كل عائق سابق، مثل محاولة كل فنان قتل فن سابقيه.. واعتبار حتى الخروج على المجتمع ضربا من هذا القتل.إن الأفكار والسلوك أنشأها واقع محدد بالزمن.. وتمديد هذه الأفكار وتركها تفعل في واقع آخر يختلف عن الواقع الذي أنشأها.. فعل قسري وعائق لتدفق النهر الذي لابد أن يأسن حين يتوقف عن الجريان.أبوتمام أو الجاحظ أو ابن رشد وأمثالهم لهم فعلهم في ظرفهم الزمني، ولهم احترامهم وتقديرهم كمبدعين، كل في حقله.. وقد بقيت ثمارهم حتى الآن، ولكن ليس من احترامهم أن تبقى ثمارهم وكأنها ثمار كل الأزمان.. غير أن هذا هو ما يحصل في ثقافتنا وسلوكنا المعرفي، إنه رفض الجديد بحجة التطاول على القديم ونكرانه.. في حين أن الموقف ليس فيه تطاول ولا نكران.. كل ما فيه هو حصر ما أنتجه كل واقع في ظرفه، لا ملء واقع آخر بثماره.. واعتبار الواقع الحاضر مجرد سلة تملؤها تلك الثمار.بدأ الالتفات إلى هذا الخلل الفادح.. ولكن ذلك يتم ببطء مثل اختفاء الظل.. وعلينا ما يسمونه الصبر وما صبرك الا بالله.