حسن السبع

حسن السبع

تمنَّتْ سيدة شابة تنتظر وليدها الأول، أن تهيئ لها الظروف خادمة «ليست جميلة!» تطبخ وتغسل وتكوي وتكنس وتبتسم لها عند عودتها إلى المنزل! انتهت شروط السيدة الشابة، وهي شروط معقولة، وقد تكون متواضعة قياسا بطلبات بعض السيدات والسادة.. فوق ذلك فهي شروط يتم دفع ثمنها في نهاية كل شهر، إذا كانت السيدة ممن يعطي الأجير أجره في الموعد المحدد.. أما الطلب الذي لا يمكن شراؤه بالمال، حتى لو أدرج ضمن شروط العقد، وتمت الموافقة عليه، فهي الابتسامة.. ذلك السهل الممتنع. قد تحظى السيدة بابتسامة صادقة إذا كانت المعاملة إنسانية متسمة بالرحمة والحب، فإذا لم تكن كذلك، فستحصل، في أحسن الأحوال، على ابتسامة صفراء فاقعة اللون.. ذلك أن الابتسامة الصادقة كالحب، كالوفاء، كالانتماء، كالإخلاص في العمل لا يتحقق دون اقتناع ورضا.. والرضا لا يتحقق دون حوافز سواء كانت الحوافز مادية أم معنوية. ولأن السوء غالبا ما يقابل بسوء مثله، ولأننا «لا نجني من الشوك العنب» كما يقال، ولأن نزعة الشر في الإنسان موجودة، سواء كان في موقع السيد أو المسود، التابع أو المتبوع، فقد شاهدتُ لقطة فيديو على الإنترنت تصوّر خادمةً تعمل بإخلاص منقطع النظير في تنظيف (كرسي المرحاض).. كانت تبذل جهدا خرافيا في تنظيفه استغرق وقتا طويلا، حتى ليظن المشاهد أنها تعمل في بيتها ولنفسها.. منظر مؤثر، لا يملك من يشاهده إلا أن يعجب بروح الإخلاص والتفاني في العمل، قبل أن يفاجأ المشاهد في النهاية بأن أداة التنظيف ليست سوى فرشاة تنظيف الأسنان الخاصة بسيدتها أو سيدها! هذا تصرف غير أخلاقي.. لكن على المرء قبل أن يطلق حكمه على هذا التصرف أن يبحث عن الأسباب التي أدَّتْ إليه .. فلعل من بين تلك الأسباب القسوة والتسلط والتعالي والإساءة الجسدية واللفظية والنفسية، وظروف العمل وحجمه، وسوء مكان الإقامة، وقلة الطعام وتأخر دفع الأجور.. والقائمة تطول. وسواء كانت هذه اللقطة حقيقية أم مفبركة، فإنها تعكس واقعا لا سبيل إلى إنكاره. إنه مشهد واحد من مسرحية واقعية أبطالها السائق والخادمة وربات البيوت وأولادهن وبناتهن، لكنها غالبا ما تكون محملة بسلبيات ومثالب ومشاكل الطرف الأضعف (أي الخدم)، لأنها أشبه بوقائع التاريخ التي يكتبها الأقوياء والمنتصرون.لقد استطاعت هذه اللقطة التعبير عن (إخلاص) مزيف، تمثل في المبالغة في تنظيف كرسي المرحاض. كان من الممكن أن يصبح ذلك (الإخلاص) حقيقيا لولا أداة التنظيف (فرشاة تنظيف الأسنان) التي ترمز إلى شكل من أشكال (الإخلاص) في الانتقام.وقد استطاع الأديب الفرنسي جان جينيه في مسرحية (الخادمات/ ترجمة د. حنان قصاب) أن يجسد تلك الإهانات والنعوت غير اللائقة وحركات التعالي التي يمارسها السادة ضد خدمهم، وكذلك سوء المعاملة الذي يصل، أحيانا، إلى درجة العنف الجسدي. في هذه المسرحية استطاع جينيه أن يصوّر موقف الخدم من استبداد بعض ربات البيوت، وغضب الخادمات المكبوت، وعواقب ذلك الغضب الوخيمة، حيث «الشر شعور موحّد لدى الجميع وقاسم مشترك بين جميع الأطراف المعنية بالصراع» كما يقول د. رضا الجمل في تقديمه للمسرحية. فلا السيدة أفضل من خادمتها، ولا الخادمة أفضل من سيدتها في هذا الاتجاه. في غياب سيدة البيت، وللتعبير عن ذلك الغضب المكبوت، تمثل الخادمتان الشقيقتان مع بعضهما بالتناوب دور السيدة وخادمتها، وما تكابدانه من سوء المعاملة، فتنفس كل واحدة منهما قولا وفعلا عما لا تستطيع البوح به للسيدة الارستقراطية المرفهة وجها لوجه.الخادمتان والمخدومة في مسرحية جان جينيه من ثقافة واحدة، هي الثقافة الفرنسية، والاختلاف بين الخادم والمخدوم في هذه المسرحية اختلاف طبقي، لكن اللغة واحدة، والعادات متشابهة إلى حد كبير. وإذا كانت اللغة وطنا و« ليس في بلد سكنى المرء وإنما في لسان» كما يعبر أحد الشعراء، فمن السهل فهم ما يعانيه الأجير المغترب لغويا وثقافيا واجتماعيا ونفسيا في غياب المعاملة الحسنة، ومن السهل استيعاب قصص العمالة المنزلية التي نطالعها على صفحات الجرائد ونسمعها في أحاديث المجالس، وهي قصص عجيبة غريبة تمتزج فيها الملهاة بالمأساة والضحك بالبكاء. hsn_saba@hotmail.com