حسن السبع

حسن السبع

قالوا: «من تكلم في غير فنّه أتى بالعجائب»، ومن تلك العجائب الركاكة. والركاكة رخاوةٌ ولين وضعف، وهي ضد الصلابة والتماسك والإتقان. يقول ابن منظور: «ثوب ركيك النسج» ولم يتجاوز ذلك إلى أمثلة أخرى تتعلق بركاكة اللغة أو الموقف. أي لم يستشهد بنص ركيك، أو موقف رخو.ويبدو أن الأستاذ حسين بافقيه عاشق للإتقان، وخصم لدود للركاكة، وممن تزعجهم (عجائب) من تكلم في غير فنه. فقد بعث لي قبل أيام رسالة هاتفية ضمنها أبياتا للشاعر ولي الدين يَكَن (1898 م) تقول: «يبكي بنوك ويضحك الزمنُ/ ماذا أصابك أيها الوطنُ/ ما أوشكت أن تنتهي محنٌ/ إلا وجاءت بعدها محنُ/ أما الرسوم فإنها دَرَسَتْ/ أما الرجال فإنهم دفنوا/ لولا بقايا معشر سلفوا/ لتَنبَّهتْ من نومها الفتنُ» وما لفت انتباه الصديق بافقيه إلى هذه الأبيات هو أن ولي الدين يكن قالها وهو في الخامسة والعشرين من عمره، «وأنه ولد في الأستانة لأسرة تركية، ووفد إلى مصر وهو في السادسة من عمره ، وراض العربية وكأنه نشأ في قلب نجد» ويتابع الأستاذ حسين بافقيه تعليقه على تلك الأبيات قائلا: «أقول هذا حسرة على نفر من شعرائنا الذين ما عرفوا غير نجد والحجاز والأحساء ثم لا تجد في لغتهم إلا اللين والركاكة»!ويبدو، كذلك، أن الأستاذ حسين بافقيه سيأخذ نصيب الأسد من هذا المقال، كونه عاشقاً للإتقان مقاوماً للركاكة. فقد حدثني (هاتفيا) عن كاتبة تعاطت النقد على طريقة (من تكلم في غير فنه) فتناولت بالنقد قصيدة تفعيلة لشاعر معروف بغنائيته المجلجلة باعتبارها قصيدة نثر. كما حدثني عن شعراء أصدروا عشرات الدواوين المليئة بالكسور والكدمات العروضية.آخر احتجاجات الصديق بافقيه على الركاكة وعلى.. «من تكلم في غير فنه» جاءت ضمن رسالة هاتفية بعثها إلي تعليقا على مقال للممثلة السورية رغدة عنوانه «هوامشنا وحبر الغرباء» يقول فيها: «في عدد ديسمبر من مجلة (دبي الثقافية) تورد الممثلة (رغدة) في مقالها الشهري البيت الشهير على النحو التالي: «نعيب الزمان والعيب فينا/ ولو نطق الزمان هجانا».. قلت: من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب»! وهو بيت شهير حقا يردده حتى الباعة في (سوق الخردوات) دون أن تشوبه شائبة. لكن رغدة ليست أول من عبث بأوزان الخليل على هذا النحو. فتلك من الأمور التي اعتاد عليها كتابنا الأشاوس الذين تفننوا في تحويل شربات الشعر إلى فسيخ. ويبدو لي أن العجائب التي يشير إليها الأستاذ بافقيه تكمن في ما أصاب البيت من اختلال في الوزن وصل به إلى حد التشوه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن النجمة الكبيرة، وببراعة لا نظير لها، استطاعت أن تستشهد بصدر بيت الشعر، بعد أن هشَّمته، وأن تكمله بعجز بيت شعر آخر من القصيدة نفسها لم يسلم من التشويه. أعود إلى نقل فقرة أخرى من رسالة الأستاذ حسين بافقيه يقول فيها: «وإذا كانت رغدة جاهلة (ويبدو لي أنه يشير إلى جهلها بالأوزان وموسيقى الشعر فقط) فأين رئيس التحرير؟ وأين مدير التحرير وقد أغرم بأن تظهر صورته في كل الندوات العربية؟» انتهى كلام الأستاذ بافقيه الذي ضمنه رسالته الهاتفية القصيرة دون أن يعلق على مضمون مقال (رغدة) الإنشائي وبالوناته اللغوية الملوّنة. فقد كان همّه الإشارة إلى الركاكة والضعف، وإلى توجيه النقد إلى فريق التحرير الذي كان عليه أن يصنع من الفسيخ شربات، وتلك من مهمات المحررين في كل جرائد ومجلات العالم.وكما تتمنى البقية الباقية من المعجبين أن تبقى النجمة الكبيرة في حدود فيلم (الحدود) وبقية أعمالها الفنية الأخرى، يتمنى المرء أن لا يستشهد بعض الكتاب العرب (من غير الشعراء) بالشعر الموزون إلا إذا نسخوه من مصدره نسخا دقيقا، وأن لا يعتمدوا على ذاكرتهم أو آذانهم التي لا تميز، أحيانا، بين بحر الوافر وبحر قزوين، أو بين الشعر والكلام المسجوع، وأن يتخلى القائمون على تحرير صفحات الثقافة عن الشعار القائل: «مشّ حالك»! hsn_saba@hotmail.com