محمد الحرز

محمد الحرز

كل مدينة لها أسئلتها الخاصة، ومحاولة الاقتراب منها والإجابة عنها هي بمثابة الباب الذي يفضي بنا إلى معرفة تفاصيل وسمات تلك المدينة، وعلاقة تلك التفاصيل بطبيعة تفكير أبنائها في ماضيهم وحاضرهم. ومن ضمن الأسئلة التي تتعلق بمدينة كالأحساء السؤال التالي الذي واجهني به أحد الأصدقاء: الأحساء بتاريخها العريق والكم الهائل من المدارس الدينية وأسماء العلماء والأسر العلمية ومن الشعراء وتأليف الكتب كيف تراها الآن؟ هل ما زالت متوهجة علميا وثقافيا؟وكانت إجابتي كالتالي: طبيعة المدن العريقة في التاريخ لا تحتفظ بتوهجها على مر الزمن، لا بد من فترات يصيب بعضها الركود والخمول والبعض الآخر الاندثار والنسيان، وهناك مدن أخرى تقاوم عوامل التعرية والتصحر وتجتهد في النهوض من جديد، تساعدها في ذلك ظروف وعوامل تاريخية تستغلها أكبر استغلال في العودة إلى الحياة من جديد. ومدينة كالأحساء هي من إحدى المدن التي تخضع إلى مثل هذه الطبيعة بالتأكيد. لكن بجانب عراقتها كذاكرة لم تسعفها التحولات التاريخية ولا الاجتماعية أو الثقافية والاقتصادية والسياسية في إعادة الوهج الذي كان لها في السابق. لذلك ينبغي أن ندرك تماما أن أي مدينة تتألق في الإنتاج الثقافي والأدبي والفكري هي مدينة مكتملة النمو. أي أن استقرارها الاقتصادي والاجتماعي والأمني من العوامل المحفزة في تحقيق مثل هذا التألق. مشكلة الأحساء حاليا هي أن مقومات بنيتها التحتية لا تتناسب ونموها الديمغرافي المتزايد باطراد. هذه أزمة تتولد منها أزمات كبرى كالتأثير على دخل الفرد اقتصاديا، وعلى المجتمع في استيعاب المتغيرات الثقافية التي غيرت مجتمعات العالم. هذا هو جزء من المشهد الذي تعيشه الأحساء حاليا. لذلك هذا القصور في الاستيعاب بالمتغيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية هل أدى فيما أدى إليه، وذلك فيما يخص الإنتاج الأدبي والفكري إعادة تكرار لما أنتجه الماضون أم أن هناك نوعا من القطيعة؟ إذا كنت أفهم هنا القطيعة بمعنى الإلغاء وقطع الصلة بما هو سابق مع «سبق الإصرار والترصد» فأظن أنه لا توجد هناك قطيعة بين جيل وآخر في تاريخ أي مدينة مهما كانت هذه المدينة أخذت بأسباب التطور الحداثي والعمراني والفني والأدبي وهناك أمثلة عديدة من المدن الحديثة التي استوعبت مثل هذا التطور دون أن تفقد صلتها بتجارب أجيالها السابقين. أما لو كنت أفهم القطيعة بمعنى الاستيعاب والتجاوز فأظن أن مثقفي الأحساء ومبدعيها لم يصلوا إلى هذا النوع من القطيعة مع الأجيال السابقة. وبدل أن يؤسسوا إلى مثل هذه القطيعة ظل إحساسهم بهويتهم الاجتماعية تتحكم فيها نظرة التبجيل والحنين والاستيهام بحب الأرض وطهرانيتها. وهو أمر واضح للعيان ولا يحتاج إلى برهان أو دليل. وهناك أمر آخر يعزز مثل هذه النتيجة ويشير إليها من العمق. إذ إن وجود باحثين جادين حاولوا وما زالوا في إبراز المنجز الثقافي والأدبي للأجيال السابقة، بل إن هناك الكثير الذين أجلهم وأقدرهم سواء أكانوا أكاديميين أم باحثين من خارج أسوار الجامعات هي حقيقة لا يرقى إليها الشك. لكن أزمة العلاقة مع الأجيال السابقة أو عموم الموروث تأتي في تصوري من زاويتين: الأولى تتعلق بغياب الحس الاجتماعي في توظيف الموروث لأجل التواصل والحوار بين فئات وشرائح المجتمع الأحسائي. وبالتالي تمتين العلاقات فيما بينهم سواء على الصعيد الثقافي أو الاجتماعي أو حتى لاحقا على الصعيد الاقتصادي من خلال تبادل الخبرات على أقل تقدير. ما معنى هذا الكلام؟ معناه أننا كأحسائيين لم نستثمر الظواهر الإيجابية التي اتسم بها الموروث الأحسائي من قبيل التعايش والتسامح والانفتاح على الآخر وتحويلها في الإطار الاجتماعي كإحدى الوسائل المهمة للحوار. ما يحدث هو أن هذا الباحث أو ذاك يعلي من شأن فئة اجتماعية، ويتجاهل الأخرى، أو على أقل تقدير لا يجتهد كثيرا في البحث والتقصي بالتساوي أو الموضوعية بين الاثنتين. وبالتالي كما قلت تضيع فرص إيجاد منطقة مشتركة للحوار تعتمد بالدرجة الأولى على قيم مشتركة تولدت عبر التاريخ وتحتاج منا إلى تفعيلها وضخ الدماء فيها من جديد. أما الزاوية الأخرى فهي تتعلق بطريقة النظر والبحث إلى الموروث من طرف بعض الباحثين. النظرة التقليدية ما زالت تحكم هذه النظرة. التنقيب وإبراز المخطوطات وسرد حياة الشخصيات والأمكنة والحوادث هي الخطوات الأولى التي يقوم بها المؤرخ، وهي خطوات مهمة وأساسية. لكن ينبغي أن يتبعها بعد ذلك مرحلة الفحص النقدي والمقارنة والاستيعاب التاريخي لجميع الظروف المحيطة وهذا يتطلب بالتأكيد استيعاب مختلف المناهج التاريخية واستيعاب كذلك تاريخيتها. هذه الجزئية الأخيرة هي الغائبة للأسف في ذهنية أغلب من قارب التراث الأحسائي. Mohmed_z@hotmail.com