حسن السبع
دخل أحد المقاولين، يوما، مكتب موظف عام وبيده معاملة لا ينقصها إلا توقيع سعادته وتكتمل، ثم تسلك طريقها إلى التنفيذ. تصفح الموظف الأوراق، فوجد بها كثيرا من التجاوزات والإجراءات غير النظامية، ولأنه محصّن بأخلاق المهنة، فقد أعاد الأوراق إلى المقاول معتذرا عن التوقيع، وموضحا ملاحظاته على المعاملة طالبا منه استكمال النقص، ولأن «صاحب الحاجة لحوح»، وفي رواية أخرى: لجوج، وفي رواية ثالثة: أرعن، فقد طلب المقاول من الموظف أن يغضَّ النظرَ عن تلك الملاحظات، قائلا : يسروا ولا تعسروا. قال الموظف : «أنا لا أعسّر بل أطبق الأنظمة يا سيدي». عندئذ علّق المقاول قائلا : «النظام مطَّاط .. يا أخي «! وهي عبارة تعني أن النظام مرن، وقد سمع الرجل هذه العبارة وحفظها وصار يرددها وكأنها حكمة خالدة، أو مسلَّمة لا تقبل النقاش. ومعنى هذا أن النظام ينبغي أن يكون مرنا وفضفاضا ومطاطا لخدمة مشاريعه ومصالحه الخاصة. كما يفترض، إضافة إلى مرونة النظام، أن يكون ضمير الموظف العام وأخلاقه مطّاطة إلى الحد الذي يفي بإنجاز معاملته بالرغم من كل المآخذ والملاحظات. صحيح أن الرفق والمرونة من القيم الجميلة التي ينبغي أن تؤسس عليها الأنظمة والقوانين، لتحقيق التوازن بين مختلف المصالح في الجوانب التي تسهل أمور الفرد دون أن تضر بمصالح الجماعة، لكن نظرية المقاول المطاطية تخل بهذه المعادلة فلا تحقق العدالة لكل الأطراف، وقد تؤدي إلى انتهاك أخلاق ومسؤوليات المهنة، ناهيك عن إحداث ضرر اجتماعي أو اقتصادي عام. وهنالك بون شاسع بين موقف موظف يصر على تطبيق النظام من أجل المصلحة العامة، وموقف موظف آخر يجد متعته القصوى في تعقيد المعقّد وتلبيد الملبد، وينظر إلى المراجع الواقف أمامه نظرة استعلاء، أو يبحث بين الأوراق عن أية ذريعة أو حجة واهية ليعطل بها مصالح الآخرين، فيصبح النظام عنده مطاطا في بعض الحالات، وصلبا كالفولاذ في حالات أخرى وهو سلوك وظيفي مخالف لأخلاق المهنة، أي أنه مخالف لمجموعة القيم التي ينبغي أن يتبناها الموظف كي يكون مسؤولا ومبدعا ومبادرا ومرنا، ما دامت تلك المرونة لا تضر بمصلحة عميل آخر، وإنما تراعي تحقيق مصالح الناس بسهولة ويسر.ذات يوم من أيام بداية الثمانينيات الميلادية، كنت أنتظر وصول عائلتي إلى مطار جي. إف. كندي بنيويورك. كانوا قادمين من مطار الظهران (سابقا). بعد وصولهم توجهنا إلى مطار لاجوارديا في المدينة نفسها لنتابع رحلتنا إلى إنديانا بوليس، ومنها إلى مدينة بلومنجتون. كان علينا أن ننتظر في مطار لاجوارديا أكثر من خمس ساعات، وهي مساحة زمنية رتبتُ لها تحسبا لأي تأخير قد يطرأ على هذه الرحلة أو تلك. توجهت إلى مكتب الخطوط، وسلمت التذاكر للموظفة التي اقترحت علينا أن نلحق بطائرة ستقلع إلى إنديانا بوليس بعد نصف ساعة. لا يوجد هنا ما يدعو إلى الإعجاب، لو كانت الطائرة التي ستقلع بعد نصف ساعة تابعة لشركة الخطوط نفسها، لكنها طائرة شركة خطوط أخرى. وقد توافر ـ والحال هذه ـ عاملان ساهما في تسهيل الرحلة : مرونة في الأنظمة ومبادرة ممن يطبق الأنظمة. يكثر الذين يتحدثون عن أخلاق المهنة من استخدام مفردتي «يجب وينبغي» وأخواتهما، وتأتي تعاليمهم على النحو التالي : «يجب» أن يظهر الموظف الولاء للمؤسسة التي يعمل لها، وأن يفي بالتزاماته نحوها .. و»ينبغي» أن يكون سلوكه الوظيفي متناغما مع أهداف ومصالح المؤسسة، و»عليه» أن يحرص على احترام أخلاق العمل وأن يتحمل مسؤولياته كاملة، وأن يتحلى بروح المبادرة والابتكار والإبداع. وإزاء هذه (المواعظ الإدارية) الصارمة يتساءل أحد منظري البيروقراطية ساخرا: هل يمكن حقا أن يتعلم الأشخاص العاملون أخلاق المهنة في المدارس ؟ بمعنى هل تكفي كل تلك المواعظ الإدارية لضبط سلوك الموظفين ؟ المسألة ليست بتلك البساطة التي يتصورها منظرو الإدارة في مؤلفاتهم المدرسية. فلا المؤلفات المدرسية ولا المذكرات أو التعليمات التي يبعث بها المديرون من مكاتبهم الفخمة قادرة على ترسيخ أخلاقيات العمل في رؤوس مرؤوسيهم، ما يستدعي البحث عن وسائل غير تقليدية لبث روح الإبداع وترسيخ أخلاق المهنة، كي لا يكون النظام «مطاطا» حينا وصلبا حينا آخر وفقا لتقلب الأمزجة. hsn_saba@hotmail.com