محمد العلي
اذا اردت ان يفر منك من يلبس التراث حلية من رأسه الى قدمه ومن قدمه الى رأسه ثانية .. فما عليك الا ان تذكر امامه مفردة (القطيعة) هنا يتخيل فورا ان كل الجذور والحبال التي تربطه بالماضي قد تقطعت، بما فيها الانساب والالقاب والعقائد وكل ما يحمل التاريخ والجينات الوراثية.. لقد انحسر عنه كل شيء وبقي بدون ذاكرة.اما اذا اردت ان يمشي بعض الحداثيين على الهواء.. فاذكر امامه نفس المفردة (القطيعة) فهو هنا سيتخيل انه قد تربع على هرم المستقبل وانه قد فارق بلا رجعة ذاك المسمى بالتراث الذي يشبه نهرا يحمل من الطحلب اكثر مما يحمل من الماء.اظن انك ستتبرأ من الفريقين كليهما .. فأنت – امدك الله بتأييده – تنظر الى القطيعة نظرة تاريخية، فترى انها مفهوم يختلف من ثقافة الى اخرى .. ومن فترة الى اخرى داخل الثقافة الواحدة.من السهل، بل من البديهي القول إن اوروبا احدثت القطيعة مع ماضيها .. لا لأن ماضيها لم يكن ثريا غاصا بالثمار العقلية والفلسفية والقانونية، وهو الذي يعني الارث اليوناني والروماني .. ولا لأنهم تنكروا لذلك التراث غرورا وعقوقا، بل لأنهم فهموه واحلوه محله من التطور.. ثم تجاوزوه وارتفعوا عليه وبوساطته الى الدرجات الاعلى في السلم الحضاري.تبلور مفهوم القطيعة من الصراع بين الثقافة الاقطاعية والثقافة البرجوازية الناشئة بقوة كاسحة.. هنا سقطت رفوف من الافكار ومن طرائق السلوك.. هنا تغيرت نظرة المجتمع الى كل شيء من الانسان حتى البناء لمجتمع جديد.. ثم استمرت هذه القطيعة في صيرورتها الصاعدة حتى الآن.هذه القطيعة لم تكن نشازا، لم تكن تنكرا لثمار الماضي ولم تقفز من النافذة .. انها غرة لروافد فلسفية وعلمية وقانونية وصراع سقاة الدم الغزير بين العلم والخرافة.. حتى تغيرت انساق التفكير في المجتمع كله.ونظرة واحدة على التاريخ توضح لنا حتى القناعة بأن القطيعة هي الشيء الطبيعي في مسيرة الانسان على الارض، فقد بدأ الانسان اهم قطيعة في التاريخ البشري حين انفصل عن الطبيعة التي بقي جزءا منها كسائر الحيوان اكثر من مليون سنة .. انفصل بواسطة اللغة التي حولته من كائن غريزي الى كائن يدرك لذاته ولما حوله .. اي من كائن غفل الى كائن ثقافي.ثم احدث القطيعة الثانية لمرحلة الصيد بعد اكتشافه للزراعة.. وهكذا (دواليك) كما يقول القدماء .