حسن السبع
تشكل أمراض البيروقراطية مادة دسمة لبعض أعمال الكاتب التركي عزيز نسين السردية، فهي بمثابة نقد لاذع مغلف بالفكاهة لأداء الآلة البيروقراطية. ويمكن اعتبارها وصفات كاريكاتورية ضاحكة لعلاج تلك الأمراض، لكنها شبيهة بأي علاج طبيعي، لا يخلّف آثارا جانبية سلبية كالحساسية والانفعال والتوتر وبقية الأعراض التي غالبا ما تصيب بعض (أصحاب المهابة) عندما يصبح أداء إداراتهم تحت مجهر المكاشفة، أو عرضة لنقد كتَّاب الزوايا الصحافية. أمراض البيروقراطية وسبل علاجها متشابهة هنا وهناك، وإذا وجد أي اختلاف فهو اختلاف نسبي، يعرفه المتخصصون في الإدارة المقارنة.. أما أعمال عزيز نسين السردية التي تشخص بأسلوب ساخر تلك الأمراض، وإضافة إلى كونها خفيفة ظل وضاحكة ومسلية، فهي أكثر فائدة وأصدق إِنباءً من صناديق الاقتراحات والشكاوى التي لا ينظر إليها المستهلك نظرة جادة، ويراها من لزوم ما لا يلزم. كما أنها أصدق إِنباءً من تقارير أقسام التفتيش أو المتابعة، فتلك التقارير تقول كل شيء ولا تقول شيئا على الإطلاق، وقد تحابي بعض الإدارات، وتضغط على إدارات أخرى، وربما اهتمت بمراقبة مواعيد حضور وانصراف الموظفين، وتركت الحبل على الغارب في كثير من أشكال التسيب الوظيفي الأخرى. ودون الخوض في كثير من التفاصيل السردية أنقل هنا، وبتصرف، لقطة من رواية عزيز نسين المعنونة (زوبُكْ). في هذه اللقطة الظريفة يصور نسين استعدادا محموما لوصول وفد حكومي رفيع المستوى قادم من (أنقرة) في زيارة تفقدية لإحدى المحافظات، وقد اتصل المسؤول الكبير المشرف على تلك الإعدادات ليقول لمرؤوسيه: «سيجوبون المحافظة، وقد يمرون ببلدتكم، أعدوا احتفالا ممتازا.. سآتي شخصيا وأتفقد الإعدادات».. بعد تلك المكالمة الهاتفية قامت الدنيا استعدادا لذلك الاحتفال ولم تقعد.وخشية من أن ينكشف المستور، يقترح أحد أفراد الفريق المكون لإنجاز هذه المهمة أن يدعم القوس القريب من منصة الاحتفال،كي لا يقع قائلا: «يا إخوان تعالوا ندعم حاملتي القوس بتربيعتين.. الحذر شيء جميل». وهو اقتراح أغضب أحد منافسيه فاعترض قائلا: «رح في شغلك يا أخي.. التربيعة لماذا؟» فيرد الأول قائلا: «لا تقل هذا يا جاويش محمد.. فربما وقع القوس». لكن الجاويش محمد ليس مقتنعا بذلك الاقتراح، فمنذ عشرين عاما، والأعمدة صامدة.. «نعم هناك خطب مؤثرة للغاية، لكن ليس ثمة خطبة تهد الأعمدة»! ويبدو أن الجاويش محمد لا خبرة له بالخطب العصماء التي تشبه جلاميدَ صخرٍ هدَّها السيلُ من علٍ!الارتباك الذي تزامن مع الاستعداد لوصول الوفد الزائر لا يختلف عن كل الارتباكات التي تكشف عن خلل إداري مزمن، وقد جاء الوقت للتستر عليه، كما تكشف عن الاهتمام بالمظاهر وبكل ما هو ثانوي على حساب ما هو جوهري: لافتات، زهور، خراف، كعكات، خطب، واختلاف حول عدد طلقات الترحيب. وتنتهي هذه اللقطة الضاحكة بانهيار أساسات السرادق وقت وصول المسؤول الكبير لتفقد الاستعدادات، ومع الاندفاع لإنقاذه انزلقت رجله وهوت في الفراغ. ويذهب عزيز نسين بالسخرية إلى أقصاها حين يصف في روايته (الحمار الميت)كيف التفَّ جمع غفير من المواطنين حول رجل جريح ملقى على الأرض. قال أحدهم: «محظوظ هذا الرجل»! قال آخر: «نعم.. لا يوجد هناك إنسان محظوظ أكثر من هذا.. ليشكر ربه على أنه دهس بسيارة إسعاف»! لكن سيارة الإسعاف تلك تشبه السيارة التي تقول عنها فيروز: «هالسيارة مش عم تمشي/ بدها حدا يدفشها دفشه/ بيحكوا عن ورشة تصليح/ وما عرفنا وين الورشة»! أما عزيز نسين فيقول عنها: «أية عربة هذه، إذا مشت لا تعرف الوقوف، وإذا وقفت لا تمشي»! نقل المصاب بعد ذلك إلى أكثر من مستوصف «بعضها لا توجد به ممرضة، وبعضها الآخر لا يوجد به طبيب، وإذا وجد الطبيب والممرضة لا يوجد علاج، وإذا وجد العلاج لا يوجد جهاز أشعة، وإذا وجد جهاز أشعة فهو معطل» مثل سيارة الإسعاف وبقية الأشياء المعطلة الأخرى. وبعد: فإن هذا غيض من فيض عجائب الآلة البيروقراطية. وما حكاية السرادق والمستوصف وسيارة الإسعاف إلا نماذج مصغرة لحالات أخرى مشابهة تتفنَّن الآلة البيروقراطية في صنعها هنا وهناك. hsn_saba@hotmail.com