حسن السبع
السطور التالية هي مجرد تأملات حرة أملاها عنوان محاضرة للأستاذ زكي الميلاد عنوانها «أولويات العمل الثقافي في المجتمع»، وهي تأملات لا تلامس إلا عنوان المحاضرة، دون الخوض في التفاصيل. كما أنها لا تتناقض مع الأفكار التي طرحها المحاضر عن تلك «الأولويات». ذلك أن عنوان المحاضرة يوحي بالتزام ما بفكرة ما؟ أو هو معنيٌّ بدور ثقافي ما في المجتمع، وبمدى قدرة المعنيين بلعب ذلك الدور على التأثير، وبأن هنالك أولوياتٍ ملحةً وعاجلةً ينبغي أن يلتزم بها العمل الثقافي، قبل غيرها، ليخدم المجتمع بشكل أفضل. وينبغي وضع كلمة (أفضل) بين هلالين، فلكل منا أولوياته التي يفترض أنها ستخدم المجتمع بشكل أفضل. كما أن العنوان قد يوحي للمهتم بالشأن الثقافي بأن بعض النشاطات الثقافية التي لا تندرج، حسب العنوان، ضمن قائمة تلك الأولويات المفترضة هي من قبيل الترف، أو هي ثانوية وقابلة للتأجيل في أحسن الأحوال. لم يقل المحاضرُ ذلك، بل بحث عن «ضوابط» أو معايير محددة لتعيين تلك الأولويات، باعتبار أن الأولويات «متغيرة» تبعا لحاجة الفرد والمجتمع.وإذا كانت الكتابة فعلا ثقافيا، وهي كذلك أحيانا، فإن هذا الاقتراح أشبه باعتراض بعض القراء على المضامين التي يطرحها بعض الكتاب. ففي أذهان أولئك القراء (أولويات) خدمية أو معيشية أو سياسية آنية يتوقعون أن يكرس لها الكاتب قلمه، وأن يوليها جلّ اهتمامه. وفي ما يخص بعض الكتَّاب يمكن أن يكون تمهيد الطرق وإنارتها مهما، في حين يرى آخرون أن إنارة العقول، أو تصحيح بعض المفاهيم الشاذة، أو الارتقاء بالذائقة من خلال رسم لوحة فنية أو كتابة قصيدة أو تأليف مسرحية، لا يقل أهمية عن تلك الاحتياجات المادية. لا اعتراض على أن «هنالك حالات تكون فيها الأحذية أكثر أهمية من أعمال شكسبير»، كما يقول أحد المنظرين، لكننا لا نتحدث، هنا، عن حالة من حالات الطوارئ التي ينصبّ الاهتمام، أثناءها، على ما هو ضروري وملح، هذا إذا افترضنا جدلا وجود فعل ثقافي ثانوي أو هامشي. تتفاوت الضرورات من واقع إلى آخر. ومع الاقتناع بكل تلك الضرورات اليومية، سيبقى كل شكل من أشكال الإبداع ضرورة ثقافية مؤثرة في الحياة الاجتماعية.ربما يفترض الذين يتحدثون عن «أولويات» العمل الثقافي منهجا أو خطة تنفذ بشكل جماعي أو مؤسسي ملائم لمقتضى الحال، وعلى طريقة «لا صوت يعلو» فوق صوت مقتضى الحال. لكن الأمر ليس كذلك، لأن العمل الثقافي هو محصلة لنشاطات عدد كبير من الأفراد الفاعلين في الساحة الثقافية، ولكل منهم ثقافته وتوجهاته ومواقفه واهتماماته الذاتية الخاصة. والفعل الثقافي، بناء على ذلك، متعدد الأشكال والمضامين، وكل مضمون من تلك المضامين قد يكون «أولوية» عندي وشيئا ثانويا عند غيري. إن افتراض وجود «أولويات» للعمل الثقافي، يستدعي افتراضا آخر، هو الاتفاق على تلك الأولويات، والاتفاق على تلك الأولويات يفترض اتفاقا آخر في الرؤى والقناعات والقيم الجمالية، وهو افتراض يكاد يكون متعذرا أو ممتنعا. ذلك أن ما يشكل أولوية عند (س) من الناس قد لا يكون كذلك عند (ص). وقد يكون وهما عند غيرهما. ومثل هذا التباين والتنوع في الاهتمامات ضروري لإثراء الساحة الثقافية. فهل يمكن، مع كل ذلك الاختلاف والتنوع، الحديث عن أولويات متشابهة؟ وهل يتحقق التشابه ما لم تكن تلك الأولويات خاصة ب (كارتيل ثقافي) واحد يسعى إلى غاية واحدة؟ نتفق جميعا بأن العمل الثقافي فعل تنويري يسعى إلى تحقيق حياة ثقافية واجتماعية أفضل. لكن ما هو التنوير؟ وما هو الأفضل؟ الإنسان وحده هو الذي يكمن في تلك التفاصيل المتعلقة بالتنوير وبما هو أفضل، وكذلك التفاصيل المتعلقة بتلك «الأولويات» التي يشير إليها عنوان المحاضرة. ولعل هذا التنوع والاختلاف هو ما دعا المحاضر إلى التفكير في «أولويات مشتركة». وللإنصاف فقد كان الأستاذ الميلاد واقعيا فترك الباب مفتوحا على أكثر من احتمال، وأكثر من اجتهاد. وهو أمر نادر الحدوث في الساحة الثقافية العربية، حيث يميل غالبية المنظرين والمحاضرين والخطباء إلى نهايات مغلقة تقطع قول كل خطيب، وتوصد الباب أمام أي اجتهاد آخر.hsn_saba@hotmail.com