محمد العلي
منذ أن ركل أول صيني كتلة سميت كرة قدم، وهذه الكرة في تطورها الساحر من ألفي سنة حتى الآن.. غير أنها خلال هذا التطور أخذت في كل أمة طابعا خاصا يتلاءم مع ثقافة تلك الأمة.. في بعض الأمم بقيت تدور في ميدانها الرياضي.. بقيت لعبة ترفيهية وتنافسية تحكمها تقاليد الفروسية بمعناها التاريخي.. بقيت في حجمها نسقا ترفيهيا لا يطغى على الأنساق الأخرى لنشاطات تلك الأمة.. ولا تحمل تعويضا عن نسق علمي أو فني أو اجتماعي آخر على الإطلاق.أما حين وصلت إلينا، فقد بقيت في ميدانها بضع سنين، تنظر الى الأنساق الاخرى بتواضع وخشوع.. ولكن حين أخذت تلك الأنساق في التآكل والانقراض.. راحت تحتل بالاضافة الى ميدانها ميادين اخرى وأنساقا أخرى.. خرجت من فضاء الترفيه الى فضاء التعويض.أصبحت تعويضا عن الانتصار على التخلف والانتصار على الفساد والانتصار على العدو والانتصار في كل الميادين.. واذا غابت الأهداف التي تصنعها الرؤوس لا تبقى إلا الأهداف التي تصنعها الأقدام.ليس هذا هو المأساة فقط، بل هناك ما هو أشد منه قسوة وانحدارا.. وهو أننا حولنا جميع المفاهيم الحديثة التي تحكمها قوانينها الصارمة.. حولناها إلى كرات..كيف؟لقد أخذنا مفهوم الديمقراطية ـ مثلا ـ وحولناه إلى كرة تلعب بها حفنة من الناس.. لعبة ليس لها إلا حكم واحد.. لعبة لا شباك لها ولا صافرة.. لعبة ينتصر فيها الجالسون في مكاتبهم المظفرة.. وهكذا قل في المفاهيم الاخرى ومن أهمها التربية.أشعر أنك، مع ذكر التربية، ترفع يدك محتجا على هذا الإسراف في المبالغة والتهور في وضع الحروف بلا نقاط .. ولكن مهلا أيها السيد.كل شيء لا يوضع له هدف محدد يتجه إليه نشاط القائمين به وعليه.. فهو شيء له حرية الاتجاه الى الأمام أو الخلف أو حتى الوقوف.. والتربية، على امتداد اللغة العربية، لا تقوم على رسم هدف تتجه اليه.. فلها أن تسلك كل الاتجاهات.ذلك لأن رسم الهدف وتحديده يحتاجان الى دراسة الواقع والى فلسفة تقوم على هذا الفهم لهذا الواقع.. وأول ما يجب فهمه ووضع فلسفته هو فهم الإنسان منذ الطفولة وحتى الشيخوخة.. والآن أليس من حقي أن أسألك أيها السيد الذي رفعت يدك: أين هي هذه الفلسفة؟