محمد الحرز

محمد الحرز

إن خاصية التعميم والاختزال أو توظيف المفاهيم المسقطة كالأصولية هي من سمات الخطاب الغربي في قراءاته حول الإسلام كدين أو كحضارة ومجتمعات كما وضحنا ذلك في المقالة السابقة مع الباحث آرنست كلغنر في مقارباته حول المجتمع الإسلامي. وهنا نستطرد ما تبقى من حديث حول هذا الموضوع. لقد هيمنت سوسيولوجيا ماكس فيبر على أغلب الدراسات التي أنتجها هذا الخطاب لاسيما ما يتصل منها بمفاهيم مثل النشاط الإنساني والسلوك الديني والتصورات الخاصة بمفهوم الدين نفسه. ولم ينجُ أي باحث في أي تخصص كان من هذه الهيمنة على اعتبار أن بعض مفاهيم هذه السوسيولوجيا وضعت المجتمع الغربي موضع المركز من خلال مفاهيم خاصة كالعقلنة وليست العقلانية ( لأن هذه السوسيولوجيا تفرق ما بين الاثنتين ولسنا هنا في صدد تبيان هذه الفروقات) والتي - في نظرها - خاصية وفرادة ترتبط بالمجتمعات الغربية وتميزها دون غيرها عن بقية الشعوب. وقد أحيلت الأسباب في الكثير من الدراسات إلى أسباب انتروبولوجية تتصل بالعرق والبيئة والوراثة, رغم أن ماكس فيبر نفسه كان يمارس في نموذجه السوسيولوجي ما يسميه «بالحياد القيمي». وهي خاصية تتصل بنزاهة الباحث الفكرية وتبعده عن أي سلطة مفترضة يمكن أن تؤثر عليه. ربما آرنست غلنر كان من بين الذين استعانوا في نموذجهم النظري حول المجتمع الإسلامي بمفاهيم وعناصر لها علاقة مباشرة بالثقافة الإسلامية, بحيث يضاف إلى الأثر الذي تركته هذه السوسيولوجيا في فكره, ويتضح ذلك في جدلية المدينة والقبيلة كما وردت في نموذج ابن خلدون. وقد أشار سامي زبيدة في معرض مناقشته لأفكار آرنست غلنر إلى هذه النقطة موضحا أن النموذج الخلدوني الذي طبقه هذا الأخير يرتكز «على التمييز والتعارض اللذين يقامان بين القبيلة والمدينة». فالحكام الذين يستولون على المدينة هم جاؤوا بالأساس من البادية, واستوطنوا المدينة وتحضروا فيها. أما الرجال الذين يعيشون خارج المدينة من القبائل فهم يشكلون قوة مسلحة لا تخضع إلى سلطة هؤلاء الحكام إلا إذا كان هؤلاء أقوياء بما فيه الكفاية بحيث يسيطروا على تمرد القبائل بالقوة, أو كانوا أثرياء بما فيه الكفاية لشراء ولائهم. وضعف الدول وضعف سلطتها ومن ثم سقوطها حسب هذا النموذج تتحكم فيه العصبيات القبلية من خلال جدل العلاقة بين المدينة والقبيلة في تاريخ الاجتماع الإسلامي, والكل يعلم مركزية هذا المفهوم في نظرية ابن خلدون. ولكن ما نريد أن نضيف عليه هنا بخصوص نموذج غلنر فهو تبعا لهذه الثنائية: مدينة – قبيلة قسم الدين أيضا إلى رفيع وشعائري وطقوسي كما ألمحنا إلى ذلك في المقالة السابقة. وعمم هذا التقسيم على أغلب فترات التاريخ الإسلامي. لكنه عندما تنبه إلى أن الإمبراطورية العثمانية تخلق معضلات للنموذج الخلدوني كما يقول سامي زبيدة «اعترف بأن الحياة المديدة لدولة عثمانية ممركزة ومبقرطة تتعارض تعارضا واضحا مع النموذج الخلدوني من حيث أنها لا تخضع لدوراته». وقد فسر هذا الاستثناء من خلال استحداث الدولة العثمانية لنظام الدفشرمة وهو نظام من التجنيد العسكري والبيروقراطي القائم على جلب الأطفال من مناطق مسيحية معينة ومن ثم تدريبهم تدريبا عسكريا كي ينخرطوا لاحقا في خدمة السلطان وولائه, بعيدا عن المؤثرات العصبية القبلية التي تحكمت في نشوء الدول وسقوطها. وبهذا التفسير حاول أن يتخلص من هذه المعضلة. لكن من جانب آخر يتساءل سامي زبيدة لماذا لم يناقش غلنر نظرية ابن خلدون ويشكك في صلاحيتها بدلا من تعميمها على عموم المجتمع الإسلامي؟ إذن هل من الممكن القبول بكلام مؤرخين حول مجتمعهم دون محاولة التشيك أو السؤال عما يقولونه؟ أليس وعي السؤال والشك بالتاريخ هو وعي غربي بالدرجة الأولى. لماذا عندما يتصل الوعي بالتاريخ الإسلامي يجفل ويتراجع؟, وهذا هو ديدن الكثير من الدراسات الاستشراقية التي ظلت تتوجس من الوعي السيكولوجي للمسلمين تجاه تاريخهم. ربما يتعزز الشك كما يقول سامي زبيدة عندما «نتوقف عند تاريخية ابن خلدون .ففي الواقع إن ابن خلدون كان يكتب في زمن اضطراب سياسي استثنائي في المغرب بحروب متواصلة تقريبا بين السلالات والقبائل. وهو نفسه كان منغمرا بعمق في السياسية ودسائس الصراعات السلالية خادما هذا الحاكم أو ذاك مغيرا ولاءاته ببراعة فكان أحيانا يضبط ويسجن». بالتأكيد هناك نقاط عديدة تلفت الانتباه في نموذج غلنر من تعميمية واضحة بحيث دائما ما ترضي القارئ الغربي الذي يرتاح عادة إلى مثل هذا التعميم. لكن من جهة أخرى تسجل لهذا النموذج المحاولة في الاتكاء على نموذج نظري من خارج دائرة الفكر الغربي. رغم ما حفيت به من مخاطر في المقاربة والتطبيق. Mohmed_z@hotmail.com