حسن السبع
مادمنا بعد في أجواء العيد فلا ينبغي تعكير أمزجة القراء بمواضيع من العيار الثقيل، كتلك التي تبدأ بقول أبي الطيب المتنبي : «عيدٌ بأية حالٍ عدتَ يا عيد»! وهو البيت الذي اعتاد بعض كتَّاب الزمن الجميل أن يستهلوا به مقالاتهم في كل عيد. فنشرات الأخبار، هذه الأيام، تتكفل بنقل تلك الحال صوتاً وصورةً وبشكل يومي، وبصور أكثر بلاغة وبيانا من الكلمات. وعلى ذكر «الزمن الجميل» فإن كل جيل يغني على زمانه، ويعتبره جميلا. ومثل كتَّاب الزمن الجميل، لا تفوت مناسبة العيد على مدرس مادة التعبير، وهو أيضا من مدرسي ذلك الزمان، دون أن يكلف تلامذته كل عام بموضوع عنوانه «اليتيم في العيد». وما أن يطرح المدرس هذا العنوان حتى تمتلئ أوراق الطلاب بمشاعر أشبه ما تكون بالزهور البلاستيكية. لا اعتراض على اختيار هذا الموضوع المؤثر، فهو يذكر التلاميذ الصغار بحالة إنسانية جديرة بالاهتمام، وله علاقة بفئة اجتماعية ينبغي تذكرها والتعاطف معها في مثل هذه المناسبات وغيرها، وإنما الاعتراض على طريقة المعالجة، وعلى التكرار والاجترار، وعدم القدرة على التجديد والابتكار في اختيار مواضيع مشابهة مرتبطة بالمناسبة، وذات طابع إنساني. وعلى أية حال فقد كنا جميعا «أيتاما» في العيد نظرا للظروف المعيشية البسيطة التي مررنا بها في ذلك الزمن الجميل.يذكرني تمسك المدرس بذلك العنوان بزميل في المرحلة المتوسطة اسمه حسين. فقد حفظ حسين مثالا واحدا على (ظرف المكان) لا يحيد عنه قيد ملليمتر هو : «العصافير فوق الشجرة». وذات يوم طلب منه مدرس اللغة أن يبتكر مثالا آخر غير مثال العصافير. فكر حسين طويلا في مثال جديد يختلف عن المثال العالق في ذاكرته، ثم فاجأنا بهذا المثال : «العلماء فوق الشجرة». ضج الفصل بالضحك، ولم يستطع المدرس أن يكتم ضحكه، لكنه اعتبر المثال صحيحا على أية حال. والواقع أن زميلنا قد سبق إحسان عبد القدوس الذي ألَّف ـ فيما بعد ـ رواية عنوانها (أبي فوق الشجرة) وقد صارت فيلما. ولعل مسرحية توفيق الحكيم «يا طالع الشجرة» شيء من توارد الخواطر بين الحكيم وزميلنا. مع ذلك، لا فرق بين زميلنا حسين وواضعي بعض كتب النحو الذين حفظوا مثالا واحدا عن الفاعل والمفعول به هو الجملة القائلة: «ضرب زيدٌ عمراً». ويقال : إن أحد الأمراء واسمه (داود) قد عاقب أساتذة النحو المحيطين به بالسجن لأنهم لم يستطيعوا أن يبرروا له أسباب اضطهاد زيدٍ لعمرو. أي لماذا يضرب زيدٌ عمراً باستمرار. وما الذنب الذي اقترفه عمرو؟ وقد اعتبر الأساتذة ذلك تمثيلاً وجرياً على ما اعتادوه من مشايخهم السابقين، وهي إجابة لم تقنع الأمير داود. وتكمن المشكلة في تقليد أولئك النحاة لمن سبقوهم، وعدم تمكنهم من تجاوز المألوف والمتداول، وابتداع أمثلة جديدة مختلفة عن أمثلة مشايخهم. وفي ذلك تعطيل لقدراتهم على الابتكار والإبداع. يقول الراوي : وكان أحد أولئك الأساتذة نابها، فاستطاع بذكائه أن يخلص زملاءه من السجن عندما أجاب عن سؤال الأمير بقوله : «إننا نجعل عمراً مضروباً دائما لأنه سرق حق غيره. لقد سرق (عمرو) الواو من (داود) ومن حق (داود) أن يكتب اسمه بواوين لأنها تنطق عند ذكره خلافا لعمرو. أذكر أن أحد الكتاب قد علق على هذه الحكاية بقوله : ليت النحاة قد مكثوا في السجن طويلا عقابا لهم على بلادتهم، وعبرة لأساتذة النحو الذين سيأتون بعدهم.سيجد الطلبة صعوبة كبيرة في التخلص مما لقنه إياه الأساتذة الأُوَل، ذلك أن التلقين في الصغر كالنقش في الحجر. سوف تتحجر الذائقة، وتتعطل القدرة على الإبداع والابتكار، ما لم يدرب الطالب الصغير على أن يطلق لمخيلته العنان، وأن لا يرضى بالسائد والمألوف والمتداول وبالقيم الجمالية المتوارثة. وبعد : هل اختلفت عناوين مواضيع التعبير عما كانت عليه قبل أربعين سنة ؟ وهل تغيرت أساليب وطرق التدريس في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية عما كانت عليه من قبل؟ وهل أبدو مخطئا إذا تصورت أن الحال مازالت شبيهة بقول الشاعر : «كأننا والماء من حولنا .. قوم جلوس حولهم ماء»! hsn_saba@hotmail.com