محمد العلي

محمد العلي

(.. ولقد اعترض على بعض الكلمات المبثوثة في تصانيفنا في اسرار علوم الدين، طائفة من الذين لم تستحكم في العلوم سرائرهم، ولم تنفتح الى اقصى غايات المذاهب بصائرهم .. وزعمت ان تلك الكلمات من كلام الاوائل، مع ان بعضها من مولدات الخواطر - ولا يبعد ان يقع الحافر على الحافر - وبعضها يوجد في الكتب الشرعية , واكثرها موجود معناه في كتب الصوفية .. وهب انها لم توجد الا في كتبهم، فاذا كان ذلك الكلام معقولا في نفسه، مؤيدا بالبرهان، ولم يكن على مخالفة الكتاب والسنة.. فلم ينبغي ان يهجر ويترك؟ فلو فتحنا هذا الباب وتطرقنا الى ان يهجر كل حق سبق اليه خاطر مبطل، للزمنا ان نهجر كثيرا من الحق ولزمنا ان نهجر حكايات السلف وكلمات الحكماء والصوفية (...) وهذا وهم باطل.. وهو غالب على اكثر الخلق، فاذا نسبت الكلام واسندته الى قائل حسن فيه اعتقادهم قبلوه وان كان باطلا.. وان اسندته الى من ساء فيه اعتقادهم رده وان كان حقا.. فأبدا يعرفون الحق بالرجال ولا يعرفون الرجال بالحق.. وهو غاية الضلال).الغزالي - المنقذ من الضلال - عن دفاتر فلسفية.كلام الغزالي هنا - على الرغم من صوابه - تجاوزته الابحاث العميقة في علم النفس الفردي والاجتماعي فهو قد ترك الظاهرة بدون تفسير علمي وبدون علاج لأنه نظر اليها كظاهرة من الخارج.. انه نظر اليها - كما هي العادة في التراث - باعتبارها ظاهرة ثابتة لا تتغير.الخطأ الكامن في منطق الغزالي ومنطق غيره من الاعلام في التراث.. هو الالغاء لأي احتمال للصواب في الموقف الآخر من الظاهرة المدروسة.. ذلك لأن مفهوم (الصيرورة) ليس مدركا آنذاك ولأن مفهوم الآخر يتوجه اليه دائما الازدراء والرفض والوصف بالضلال؟هل تغيرت هذه العادة الذهنية؟لا.. ابدا بل ازدادت شراسة والغاء للآخر.. على الرغم من سيول الكلام في هذا الصدد ومن ادعاء السباق اللفظي بين فئات كثيرة نقرأ لهم ونسمع آراء تحث على احترام الرأي الآخر.. ولكنها تعني رأيها فقط.الغزالي وامثاله لهم العذر فلم تنفتح امامهم ابواب المعرفة الى اعماق النفس الانسانية ولم يكن عندهم غير ما تلقنوه.. لكن ما رأيك في من يعيش الآن بأقل من ثقافة الغزالي وامثاله؟