حسن السبع
كل تعليقات القراء ممتعة، لأن للتواصل مع القارئ جاذبية، ولتلك الجاذبية سحرها. والجاذبية (ثِقلٌ) يشدُّكَ إلى مكان أو إنسان أو اتجاه أو رغبة ما، لكنه ليس سلبيا دائما، ما لم يعطل قدراتك الإبداعية، أو يجبرك على المسايرة، فتخسر نفسك لتكسبَ العالم. حين أشارك في أمسية شعرية فإن القلق الذي يساورني يختلف عن القلق الذي ينتابني وأنا أكتب مقالا لصفحة الرأي. يقلقني في الأمسية الشعرية المتلقي الذي يرى في الوضوح غموضا، أو الذي ينتظر شيئا من ديوان الحماسة، وقصائد «الردح» والقضايا الكبرى، وجعجعة الحناجر الفولاذية. وفي مثل هذا المناخ قد تتنازل عن بعض قصائدك كي لا تبدو وكأنك تضحك في مأتم. لكنه قلق مؤقت. ساعة وتنتهي الأمسية، ويذهب كلٌّ إلى حال سبيله. أما العلاقة بالقارئ فدائمة. وأما أسباب القلق فكثيرة. هنالك شعور بالرهبة في كل لقاء مع القارئ، رهبة من يدخل عالم الكتابة لأول مرة. ولا يملك الكاتب الذي يحترم القارئ والمساحةَ المتاحة له إلا أن يقلق. قبل تطور تقنيات الاتصال كان من الصعب التعرف على آراء القراء، أما اليوم فإن العلاقة بين الكاتب والقارئ أصبحت مختلفة. أصبح بإمكان الكاتب قراءة ترمومتر القبول والرفض، عبر البريد الإلكتروني، أو الموقع التفاعلي للجريدة. القارئ في هذا الزمن الإلكتروني صديق افتراضي في عالم افتراضي حافل بالأصدقاء، لكنهم، وكما يعبر أحد الشعراء: «أصدقاء بلا وجوه» وأحيانا بلا أسماء. مع ذلك فإن أمتع اللحظات هي تلك التي يقضيها الكاتب مع تعليقات أولئك الأصدقاء، لأنها تشكل مصدر إلهام، ومادة لكتابات قادمة. (هذه هي المرة الأولى التي أشير فيها إلى تعليقات بعض القراء أو أتخذ منها مادة للكتابة.. وأنا هنا لا أخترع قرَّاءً وهميين). بعض تلك التعليقات يضيف معلومات أخرى إلى المعلومات التي تناولتها. أذكر أنني قد كتبت مرة مقالا بعنوان (إلى السيد مورفي) تناولت فيه بعض قوانين مورفي الطريفة. فكتبت القارئة الكريمة (رهف) تعليقا طويلا عن بداية تشكل قوانين مورفي، وقد تضمن التعليق العبارة الأولى التي مهّدت الطريق إلى ذيوع تلك القوانين وهي: «إذا كان هنالك طريقتان لأداء عمل ما، إحداهما تقود إلى كارثة فإنّ أحدهم سيؤدي العمل بالطريقة الكارثية حتما». العبارة نفسها أوحتْ لي بكتابة مقال آخر عن الحس التشاؤمي لدى إدوارد مورفي. وحول مقال آخر بعنوان (كي تؤجل الخريف قليلا) تناولت فيه تراجع العفوية، وفقدان الجرأة، وانطفاء الدهشة، وبقية علامات الشيخوخة الأخرى. وانتهيت إلى القول بأن «التقدم في السن ليس مزعجا. المزعج هو الاعتقاد بأننا مسنون»! كتب أحد القراء معترضا على طريقة اختياري لهذا الموضوع. وسأنشر تعليقه، هنا، بعد إجراء بعض التعديلات، وقبل أن تتدخل فرق الإنقاذ اللغوية في قسم التصحيح بالجريدة. يقول تعليقا على ذلك المقال: «يعطيك العافية أخوي، بس حبيت أوجه نصيحة بأن هناك قضايا أهم من موضوع مثل الشيخوخة، ومتى يشيخ الإنسان.. الإنسان يشيخ متى ما يحين موعد شيخوخته. باختصار أرجو أن يكون هناك مواضيع تمس شريحة كبيرة من الشعب، وتضيف له قاعدة من المعلومات المفيدة وشكرا» التوقيع: (سياسي في زمن قاسي) وقد نظر القارئ الكريم إلى الشيخوخة من ناحية فسيولوجية، لكن موضوع المقال هو شيخوخة الروح، وليس شيخوخة الجسد. وإذا كان لي من تعليق على ذلك الاعتراض فهو أن جمال صفحة (الرأي) يكمن في تنوع اهتمامات كتابها، ومن ثم تنوع مواضيعها، وإلا أصبحنا (جوقة) نردد نشيدا واحدا.وتعليقا على مقال بعنوان (التجديف عكس التيار) يتناول موضوع التغيير باعتباره سنة الحياة، كتب القارئ الكريم (سلطان) من الولايات المتحدة، متمنيا أن أنظر للنصف المليء من الكأس، أي أن أكون متفائلا. والواقع أن الكاتب لا يملك في رحلة البحث عن الأفضل إلا أن يكون «متشائلا» إذا صح هذا التعبير، فينظر للنصفين معا: المليء والفارغ.وبعد: كلّ تعليقات القراء ممتعة، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، مادام ذلك الاتفاق أو الاختلاف بمنأى عن العنف اللغوي، وما دام الأمر لا يتجاوز مواجهة الفكرة بفكرة أخرى، وفي حدود التواصل الإنساني الراقي. hsn_saba@hotmail.com