د. مبارك الخالدي

د. مبارك الخالدي

رفع الرقيب رأسه ليؤكد بقاءه، فصال وعربد في معرض كتاب أقيم مؤخرا في إحدى الدول المجاورة، وكان بين الكتب التي أقصاها رواية (نساء المنكر) لسمير المقرن.. جاءت ردود الفعل ممتلئة بالغضب والاحتجاج، وكان ذلك تصرفا متوقعا، لكنه ليس الأفضل، وذلك لأن الظلمة التي يشيعها الرقيب لن تبددها الشتائم وانفجارات الغضب، فلن يزيده ذلك إلا زهوا وشعورا بالقوة واشتداد ساديته.. ظلمة الرقيب لن يبددها إلا إيقاد الشموع، وهنالك أكثر من شمعة يطعن بها قلب الظلمة. وأولاها شمعة الابتهاج بأي قرار منع يتخذه الرقيب، فقد أصبح معروفا من التجربة أن كل كتاب يُمنع يحقق رواجا هائلا ما كان سيحققه لولا قرار الرقيب.. الرقيب الآن مأزوم ومتوتر وعالق في ورطة، فهو لا يستطيع أن يتخلى عن دوره كوصي، لأن في ذلك اعترافا صريحا بانهزامه، كما يذكره استمراره في ممارسة الوصاية بأن سلطته تتآكل تدريجيا إلى أن تتلاشى. صولات الرقيب ليست إلا افاقات من غيبوبة الاحتضار وسكرات الموت. الرقيب يستحق الشعور تجاهه بالرثاء والشفقة وهذه هي الشمعة الثانية، فإذا كان لا يستحقهما، فلتوقد شمعة السخرية منه.. أما أكثر الشمعات أهمية فتتمثل في تجاهله في لحظات الإبداع والتأليف.وأشار الزميل عبدالوهاب أبوزيد في مقالة سابقة إلى منع الرقيب لرواية فلاديمير نابوكوف (لوليتا).. لم تكن (لوليتا) الرواية العظيمة الوحيدة التي مارس الرقيب عليها سلطته. فسجل الرقابة في الولايات المتحدة يتضمن قرار محكمة نيويورك ضد (ذا ليتل رفيو) لنشرها رواية (يوليسس) منجمة، مما أدى إلى حظر نشرها في الولايات المتحدة وبريطانيا، ولم تنشر إلّا في فرنسا، التي، ويا للمفارقة، أصدر وزير داخليتها، في 1956، قرار منع بيع (لوليتا).. ولم يعانِ أي كاتب ما عاناه الروائي الأمريكي ثيودور درايزر، إذ تعرضت ثلاث من رواياته للحظر، وسجن وتغريم بائع روايته (مأساة أمريكية). لقد ذهب الذين أمروا بالمنع والمصادرة، وبقيت تلك الروائع الخالدة. إن (يوليسس) تباع الآن في الدمام.