محمد الحرز
كيف يمكن النظر إلى الممانعة التي تبديها شرائح واسعة من المجتمع العربي الإسلامي وبالأخص التكنوقراط، منها ما هو ضد القيم الحداثية الغربية من قبيل: قيم الليبرالية والعلمانية والديمقراطية؟ إن طرح السؤال بهذه الكيفية يعيد الاعتبار لقضايا ومفاهيم وتصورات كادت تصبح من المسلمات والبديهيات التي انتشرت في أدبيات الخطاب الفكري والسياسي العربي كما هو الحال في قضية التقنية الغربية.فنحن العرب المسلمين-كما نقول دائما- قادرون على استيعاب كل ما ينتجه الغرب من تقنية حديثة في كافة المجالات بحيث نستهلكه بامتياز غير أن ما يكمن خلف هذه التقنية من فكر ورؤية وتصور للإنسان والعالم والحياة هو غائب تماما عن حركة هذا الاستيعاب.وعندما نرصد الأسباب التي تطرح من هنا وهناك نجد الكثير من الكتابات تحيل هذا الغياب إما إلى مفهوم التخلف الذي يتصل جزء كبير منه بظاهرة الاستبداد الذي عاشه العالم العربي الإسلامي أو إلى عوامل خارجية على رأسها السلطة الاستعمارية والتبعية الاقتصادية.صحيح أن الإحالة إلى مثل هذه الأسباب لا خلاف عليها, وهي في محل اتفاق عند الباحثين وفي مجمل خطاباتهم,وهذا ما يبرهن عليه الواقع التاريخي نفسه.لكن الأسباب نفسها هي علل لظواهر متعددة, لا تتصل فقط بطريقة التعامل مع التقنية الغربية,بل هناك ممانعة مثلا تبرز على مستوى فهم الظاهرة الدينية كما تطرح في دراسات علم الأديان المقارن, أو علم نفس الأعماق. أو الممانعة على مستوى فهم الاجتماع السياسي كما تطرحه الأنظمة والقوانين والدساتير الدولية.أو على مستوى فهم الوقائع التاريخية بمعزل عن تأثيرات الوعي الأسطوري أو الرمزي.وحتى هذه الممانعة تتلون حسب نظرة الشرائح الاجتماعية نفسها, فالممانعة التي تبديها الخطابات عند بعض المثقفين القوميين منهم والإسلاميين هي غيرها عند بقية شرائح المجتمع كرجال الدين أو السياسيين من أصحاب القرار السياسي أو رجال الأعمال المستفيدة من الوضع الحالي. فالأهداف والدوافع تختلف من شريحة إلى أخرى. ناهيك عن ممانعة عامة الناس التي لا تتضح أهدافها أو دوافعها إلا من خلال كونها لا شعوريا تتمسك بهويتها وتراثها وقيمها من جهة وتعيش حياتها اليومية ببساطة بكل مظاهرها الحديثة من جهة أخرى دون أدنى إحساس بالتناقض بين الجهتين, بين حياته الروحية الموروثة وبين حياته المادية الحديثة المكتسبة.إذن ما نسميه ممانعة ليست سوى ممانعات حين ننظر إليها من خلال المجهر الميكروسكوبي. لذلك يصعب منطقيا ربط جميع الظواهر بعلل وأسباب تكاد تكون متشابهة بحيث تنتهي عند مؤثر واحد كما رأينا في مفهوم التخلف وربطه بظاهرة الاستبداد. عموما ليس هنا محل حديثنا هنا, وما أردنا أن نستخلصه مما سبق هو خطل تناول الظواهر بعمومياتها لأنه حتما ستكون نتيجة التحليل مجرد مقولات عمومية لا تشير إلى شيء كما طرحناها في الشق الأول من السؤال.ناهيك عن سوء الفهم الذي ينتج بسبب الخلط الواضح بين الأسباب التي تنتمي إلى الواقع الاجتماعي والتاريخي , والأسباب التي تنتمي إلى واقع الخطاب والنص , وذلك في تحليل أي ظاهرة تصادفنا.لكن دعونا الآن نعود إلى السؤال ذاته,ونستولد منه التساؤل التالي: ما التصور الذي يكمن خلف مفهوم الممانعة ذاته؟ وكيف أصبح إحدى الركائز الأساسية عند تناول المجتمع الإسلامي وتحليله؟ هناك تيارات فكرية غربية أضفت على هذا المفهوم طابعا أصوليا وقالت باستحالة تحول المجتمع الإسلامي إلى قيم الحداثة والعلمنة بسبب عوامل عديدة ليس هنا محل ذكرها منهم دنيال بايبس وبرنار لويس. وهناك تيار آخر يرى أن مثل هذه الممانعة هي الجسر الذي سوف يصل بالمجتمع الإسلامي في نهاية المطاف إلى قيم الحداثة والعلمنة مثلما كانت الإصلاحية البروتستانتية جسرا موصلا إلى الرأسمالية كما نجد هذا القول عند فوكوياما وفراد هاليدي وما سار من خلفهم من الكتاب والمفكرين العرب كعبدالله العروي وعزيز العظمة وعبدالمجيد الشرفي. لكن جميع هذه المقولات استخدمت هذا المفهوم كرافعة للتبشير الإيديولوجي والعقائدي لقيم الحداثة والعلمنة, ولم تقم بتفكيكه ومحاولة نقده ومن ثم إعادة ربطه بالتاريخ الديني المسيحي.نحن نعلم تماما أن مفهوم الممانعة اعتمد أساسا على فكرة التساوق والتلازم بين التحديث والعلمنة.هذا التلازم جاء بمثابة القناعة التي حكمت مجمل أعمال علماء الاجتماع وعلى رأسهم ماكس فيبر. وبالتالي ترسخت هذه القناعة في الأذهان على اعتبار أنها قيم عالمية وشمولية, وهي الأنموذج الأمثل لدخول المجتمعات لعالم الحداثة, وما يؤكد قناعتهم هذه هي حركة العلمنة نفسها التي فرضت ذاتها «داخل الفضاءات الجغرافية والدينية الكبرى كاليهودية والمسيحية والهندوسية والكونفشيوسية». والاستثناء الوحيد هو الإسلام كما تنبه إلى ذلك الباحث الانجليزي آرنست جلنر.لكن كيف تم قراءة هذا الاستثناء باعتباره ممانعة في مختلف الخطابات؟ لقد أشرنا إلى بعضها في هذه المقالة ونكمل في مقالة قادمة.Mohmed_z@hotmail.com