حسن السبع
لابدَّ مما ليس منه بدُّ. لذلك أعود إلى ما تناولته تحت عنوان (الرواية وموزعو صكوك الإبداع) لأسجل استطرادا يسلط الضوءَ على العلاقة بين (بعض) نقاد الرواية وكتابها. فقد ضخَّت الساحة الأدبية المحلية في العقد المنصرم روايات كثيرةً بمستويات فنية متفاوتة. منها تلك الروايات التي لم تتنافس في القيمة الإبداعية بمقدار ما تنافست في البحث عن عناوين تحقق شيئا من الرواج، ومنها التجارب الناضجة التي لم تحقق القدر نفسه من الذيوع والانتشار. وحين يقلل روائيٌّ من أهمية آراء النقاد في منجزه الروائي، ويؤكد أنه ليس بحاجة إلى اعتراف أحد منهم به روائيا، فإن لموقفه هذا جذوراً ممتدة في تربة التاريخ الأدبي. وقد سبقه إلى ذلك كتَّاب فضلوا أن يكونوا «خارج قانون من نصَّبوا أنفسهم حكاما على الذوق» حسب تعبير روثفن. لكن ذلك لا ينفي أهمية الدراسات النقدية الجادة. وإن كانت مثل تلك الدراسات لا تفيد الكاتب بقدر ما هي مفيدة لطلاب الأدب في المدارس والجامعات. أما ما يمكن تأكيده فهو أن العلاقة بين الناقد والكاتب لم تكن ودية على الدوام. بل إن هنالك شبه (حرب باردة) بين الطرفين، إما بسبب نسبية المقاييس الجمالية، حيث القيمة دائما في عين الرائي، أو بسبب شعور الكاتب بتدني مستوى ذائقة الناقد انطلاقا من متابعته للأعمال الأدبية التي جذبت الناقد إليها فتناولها بالدراسة، أو من خلال نصوص أدبية متواضعة كتبها الناقد نفسه، ثم تنازل عنها ولسان حاله يقول: «إذا لم تستطع شيئا فدعه». وفوق ذلك، فإن لدى بعض الكتّاب حسّاً نقديا يفوق حسّ (نقادهم). لذلك فإن الواثقين من قدراتهم لا يضيقون بالنقد، بل يضيقون بتواضع الذائقة النقدية، وبعدم جدية الناقد.كتبت، مرة، مقترحاً على الأدباء أن يبحثوا لهم عن خصوم، وقلتُ إن الحيـاة الأدبيـة بلا خصوم تشبه قيلولة أو بركة راكدة. وكنت أقصد بذلك الخصم الذكي (فقط). فمثل ذلك الخصم لا «يُخَرّق» النصوص الجميلة، على طريقة ابن الأعرابي، لأن قائلها (س) من الناس، ولا يحتفي بها لأن الكاتبَ صديقٌ أو من المؤلفة قلوبهم، فيمنح (صكوك الإبداع) بشكل مجاني. قد نلتمس لبعض نقادنا وكتّابنا العذر أحيانا، فنتفهم مثلا موقف ناقد أو كاتب معروف ـ لا علاقة له بالنقد ـ وقد توجه له كاتب أو كاتبة مغمورة بمسودة رواية للحصول على تزكية ما. نحن أمام احتمالين، فإما أن يصمت احتراما للإبداع الأدبي، أو أن يمنح الكاتب صك الإبداع، فيكتب مقدمة للرواية يكيل فيها الثناءَ بكرمٍ حاتمي. لكن الاحتمال الثاني هو الأرجح, ففي لجوء الكاتب إليه دون غيره اعتراف بألمعيته، وإرضاء لغروره، وترقب لجوده. ولا اعتراض، هنا، على تشجيع الأصوات الجديدة، لكن الاعتراض على التقليل من شأن الإبداعات الأكثر نضجا والأعمق تجربة، وتقديم المفضول على الأفضل. والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا السياق هو: هل للرواية قالب ثابت نمنح بموجبه (صك الإبداع)، أم أن القوالب الروائية متنوعة بحيث يبدو من الصعب الإشارة إلى نموذج ثابت يتعين اتباعه. ثم، ألا يبدو الحكم على الأعمال الإبداعية نوعا من الإدعاء حين يأتي على شكل عبارة خاطفة لا تدلنا على مواطن القوة أو الضعف؟سوف يبدو المشهد مضحكا لو تصورنا طابورا طويلا من الأدباء يصطفون في انتظار ناقد ما يمنحهم صكوك الإبداع، أو تأشيرات الدخول إلى عالم الأدب. وسنكون واهمين لو تصورنا أن الدراسات النقدية قد تساهم يوما في رواج عمل ما، وسنكون واهمين، كذلك، لو اتخذنا (الرواج) معيارا لقياس قيمة العمل الأدبي أو الفني. وبعد: فإنه إذا كان لا بدّ من تلك العلاقة المتوترة بين الناقد والكاتب، وما تفرزه من خصومة، فنحن بحاجة دائما إلى ذلك «الخصم الجميل» كما يعبر أدونيس. أي الخصم الذي لا يلغي الإنجاز الإبداعي بعبارة طائشة تقول: «فلان ليس قاصا.. وعلاَّن ليس روائيا». الكاتب بحاجة إلى خصم لا يجامله ولا يبخسه حقه، بل يحرضه على الإتقان، فيأتي عمله الأدبي محكما. لكن مثل هذا النموذج «عملة نادرة» في كل الأزمنة. hsn_saba@hotmail.com