محمد العلي
«قال جرير لرجل من بني طهية: ايما اشعر انا ام الفرزدق؟ فقال له: انت عند العامة والفرزدق عند العلماء.. فصاح جرير: انا ابوحزرة.. غلبته ورب الكعبة والله ما في كل مائة رجل عالم واحد» الاغاني 8/79هذه قصة تطرح امامنا مسألة (الشهرة) لافي ذلك الزمان وحسب، بل في كل الازمنة، حيث نرى في مختلف الابداع الانساني او مطلق الإنتاج قصيدة او لوحة او كتابا يبلغ من الشهرة ما لم تبلغ (قفانبك) وهو في حقيقته لا يتعدى ضوضاء غوغائية اشبه بفقاعة كبيرة.. وقد تجد كتابا يحمل اضافات رائدة في موضوعه، ولكنه يمر دون ان يلتفت اليه احد ماعدا قلة صامتة لا تعرف لماذا لم تجهر برأيها!!هذا ما شعرت به وانا اقرأ كتاب الدكتور الناقد سعد البازعي (استقبال الآخر.. الغرب في النقد العربي الحديث) فالجهد العلمي الموضوعي والنقد الواسع الذي تضمنه هذا الكتاب يجعله في مقدمة ما أنتج في حقل النقد الادبي في اللغة العربية.اول نقطة محورية في الكتاب هي ايضاح (تهافت الاطروحة العربية القائلة بان النقد الغربي تراث انساني متاح للاخذ منه دون كبير عناء، أي دون حاجة لغربة جذوره ص8).اذ على الناقد العربي الخروج من وهم (المقولات الفضفاضة مثل «عالمية النظريات» او «الموروث الانساني المشترك» او «المفاهيم المتاحة للجميع» او دعوى انها نتاج علمي متجاوز للادلوجيا.. الى غير ذلك من الحلول السهلة ص 21) ذلك لاختلاف و(تباين الرؤية الحضارية).وقد وقع في هذا المنزلق نقاد اصحاب اضافات، مثل جابر عصفور وصلاح فضل، فضلا عن البدايات التي اضطرب فيها ومنها نقاد كثر.. وذلك كله للتغافل او الغفلة عما وضحه نقاد مثل ادوارد سعيد في (انتقال النظرية) حيث يؤكد ان (النظرية استجابة لوضع اجتماعي وتاريخي يمثل الحدث العقلاني جزءا منها ص24).ان ما حدث ويحدث من اضطراب عند النقاد العرب في تلقي النقد الغربي هو عدم الالتفات الى الخصوصية الغربية التي تعني (خصوصية المناهج والنظريات والمفاهيم النقدية التي انتجتها الحضارة الغربية) والنابعة من (خصوصية الافراد منتجي النظريات والمؤثرين فيها مثلما تنبع من الخصوصية الاكبر أي خصوصية الحضارة ككل ص 46) وهذا ما اكده كثير من الفلاسفة الغربيين مثل هو سرل وهيدغر وغيرهما كثير ص47).والاضطراب والتناقض لم يقع فيه النقاد العرب وحدهم، بل ان من الغربيين من وقع في مثل هذا الاضطراب فهذا (كلود ليفي ستروس يصف البنيوية بالمادية.. بينما هو يرى ان البنيوية تولد خارج التاريخ وخارج السببية ص77) ومثله بارت الذي يبدو فاقع الاضطراب «من موقفيه المتناقضين مؤسسا للمنهج البنيوي ثم هادما له ص64).هذا مع غض النظر عن الرأي الذي ذكره الكتاب للناقد الكبير شكري عياد من اننا نلاحظ التناقض في صلب الحضارة الغربية.