محمد العلي
في سلوكنا اللغوي في فهم المفردات والمفاهيم ننسى «ان للمفردات تاريخا وانها تؤثر في كيفية قراءتنا» أي اننا ننسى التطور الدائم للغة.. الذي يعني ان المفردات ليست اوعية تمتلىء مرة واحدة والى الابد، كما كان التصور القديم، بل هي ذات محتويات متجددة تبعا لما يفرضه الزمن من اختلاف الذهنية بين جيل وآخر وتأثير نمو المعرفة في الاساليب.مثلا :كلمة (علم) في اذهاننا تعني (المعرفة) في حين ان بينهما، حسب التعريف الفلسفي لكل منهما، فرقا شاسعا.. فالعلم بحسب التعريف هو «ادراك الشيء على ما هو عليه» اما المعرفة فهي مجرد «ادراك الاشياء وتصورها» أي ان كل المعارف (الظنية) او البعيدة عن ضوء اليقين تعتبر معرفة لا علما. ويطلق على حاملها العارف وليس العالم.يقول سيد قطب في تفسير الآية (إنما يخشى الله من عباده العلماء) يقول : «هذا الكتاب الكوني الجميل الصفحات العجيب التكوين والتلوين يفتحه القرآن ويقلب صفحاته (..) والعلماء هم الذين يتدبرون هذا الكتاب (الكون) العجيب.. الخ.. أي ان المقصود بالعلماء هنا هم علماء الطبيعة الذين يفهمون او يحاولون ان يفهموا قوانينها ثم يسخرونها لفائدة الانسان ماديا وروحيا». راجع في ظلال القرآن ج 5 ص 2943 .حين نصر على ان العلم والمعرفة مترادفان يقف في وجهنا (تغير الشرط) مع الزمن «والشرط هو ما يتوقف عليه الشيء من حيث الوجود او المعرفة».لنضرب مثلا لتغير الشرط وفعله :الفيلسوف كان يعني (محب الحكمة) وهذا معطف أوسع من معطف (غوغل) أي انه يدخل فيه كل من يحب الحكمة حتى لو كان أميا.. وقد تدخل التاريخ ليحصر مفهوم الفيلسوف في من يبني هرما نظريا خاصا به يحمل رؤيته للانسان والطبيعة وما بعد الطبيعة لذا يعسر على أي منا الآن اطلاق لقب فيلسوف على آلاف الدارسين للفلسفة والعارفين بها خاصة في عالمنا العربي.نعم عندنا عارفون للفلسفة بعمق ولكن معظم هؤلاء لم يصلوا الى بناء نظرية شخصية شاملة في تعليل الكون وتفسيره.. وكما ان شرط الفلسفة قد تغير فكذلك هو شرط العلم.. فقد اصبح شرط العلم ان يكون مغيرا وشرط العالم ان يتم على يديه هذا التغيير.والتغيير المقصود هنا ليس في حقل واحد، بل في جميع حقول وآفاق الانسان المادية والروحية وهذه مهمة كبرى لا يصلها الا ذو حظ عظيم.ما تقدم كله ليس الا لمحة صغيرة الى ما يجب على اللغويين عندنا وهو تأليف معاجم جديدة تتبع تاريخ المفردات والمفاهيم .. لنعرف في أي عصر لغوي نعيش نحن الآن؟!