سكينة المشيخص
في بدايات القرن الماضي كان الإلحاد هو التيار الأكثر انتشارا، ورغم كل مساعي الكثير من المثقفين الدينيين لتغيير هذا الواقع واستبداله بوقائع إيمانية، إلا أن الحياة بكل أسئلتها وإحباطاتها كانت تدفع الكثير للتأثر بالموجة، وربما الدخول فيها، وهذا ماحصل للكاتب الكبير مصطفى محمود، فلقد عاش أسئلته وقلقه وتجربته الخاصة كما فعل الكثير من مجايليه، لكنه رغم ذلك قفز على حاجز العدمية والعبثية ولم يستسلم لها، فنظّم أسئلته، ورتّب أوراقه تحت مظلة التسامح وقبول الآخر في (حوار مع صديقي الملحد) و(رحلتي من الشك إلى الإيمان).اليوم -حين يغيّب الموت مفكرا كبيرا مثل مصطفى محمود- نعود لزمن جميل مع برنامج لطالما احتضننا واحتضناه بغرائبيته وسحره وطريقته الرائعة في التعبير عن أفكاره الدينية والفلسفية العميقة بأسلوب سهل ممتنع على غيره، نعود لأربعمئة حلقة من (العلم والإيمان) هذا البرنامج الذي اتفق على سحره المختلفون مع مصطفى محمود قبل أصدقائه.تعرّض مصطفى محمود لكثير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بدءاً من طلاقه مرتين ومرورا بأزماته الاقتصادية ومرضه ووصولا لتقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر محاكمته كملحد بعد كتابه (العلم والإيمان) لكنه رغم كل هذه الأزمات بقي معطاء ومثقفا شموليا وأديبا إنسانا.نحتاج جدا لمصطفى بيننا كأب يطمئننا باستمرار أن الأمل والحب موجودان رغم الاختلاف، وأن هذا الاختلاف ثمة طبيعة في حياتنا ويومياتنا، فلا سلطة ولا منصب قد تمنع المثقف الحقيقي من ممارسة دوره الفاعل بين الناس، فرغم هذا التسامح الكبير الذي يسكنه وجدنا فيه ذلك المثقف المنعزل عن السلطة والزاهد فيها، ، ولعلنا نذكر ردّه الأنيق على صديقه الرئيس أنور السادات عندما عرض عليه منصب الوزارة قائلا: « أنا فشلت في إدارة أصغر مؤسسة وهي زواجي، فقد كنت مطلقًا لمرتين، فأنا أرفض السلطة بكل أشكالها».Sukinaa2009@yahoo.com