محمد الحرز
أزمة الديمقراطية في المجتمع الغربي تختلف عنها تماما في حالة المجتمعات العربية هذا إذا سلمنا بوجودها في الشأن الفكري والسياسي والاجتماعي. وعلى كل حال البون شاسع بين طبيعة الأزمتين.الديمقراطية الغربية هي نوع من الخبرات والتراكم التاريخي والمعرفي الذي ينعدم معه أي وجه مقارنة مع أي نوع آخر من الديمقراطيات في العالم.أما بالنسبة لمجتمعاتنا العربية فهي بالطبع مازالت تترصد طريقها نحو المكتسبات التي تهيئها الحياة الديمقراطية على جميع الصعد والمستويات. إذن هنا كيف نقرأ اختلاف طبيعة الأزمتين إذا ما وضعناهما في سياق المقارنة؟ ربما هنا نصل إلى نوع من المفارقة التي تتضح أكثر كلما حللنا السمات العامة التي تمتاز بها طبيعة كل أزمة, وسنبدأ أولا بالسياق الغربي. لابد أن نوضح أن التجربة الديمقراطية في مرحلة نشوئها في أوروبا لم تكن متساوقة في كل بلد , لا من جهة الأسباب أو الظروف. فالديمقراطية الإنجليزية لم تقم إلا باعتبارها توسيعا لصلاحيات البرلمان, ولم تتطور إلا بوصفها نظاما لعب دور الموازنة في تقييد السلطة الملكية ,وتاليا فرض ممارسة الحكم كسلطة تشريعية.أما الديمقراطية الفرنسية فقد قامت باعتبارها ثورة على النظام الملكي المطلق, وكذلك على الامتيازات التي كانت لطبقة النبلاء ورجالات الكنيسة. وعلى العموم وكما يشير عزمي بشارة «فإن نشوء الديمقراطية قد ارتبط بالصراع بين الكنيسة والنبلاء والملك وأنواع التحالفات التي قامت في كل بلد,ولكن الشروط التاريخية لهذا كله لا نهائية وغير محددة».لا حقا حين ترسخ النظام الديمقراطي الأوروبي على قيم مشتركة من قبيل دولة القانون والتعددية والفردانية والعقلانية والليبرالية الاجتماعية وأصبح بمثابة المرجعية العليا للثقافة الأوروبية التي تمتد إلى عصر الأنوار, كان من القوة بمكان بحيث لا يسهل اختراقه أو الانقلاب عليه وشطبه من الحياة السياسية. لقد تحول إلى ثقافة في وعي الفرد الأوروبي قبل أن يتأسس كآلية لإدارة شؤون الدولة.لكن يمكن التحايل عليه وإلا كيف يمكن أن نفسر وصول الحزب النازي بوصفه حزبا شموليا ساهم بشكل كبير في دفع أوروبا لحروب مدمرة وذلك بقيادة هتلر في ألمانيا إلى الحكم؟ لقد أجاب العديد من المفكرين على مثل هذه الظاهرة بدءا من مدرسة فرانكفوت في ثلاثينات القرن الماضي على يد ماكس هوركهايمر وتيودور أدرنو, وصولا إلى حنا آرندت ونهاية عند الناقد تودوروف.الجميع ركز على فلاسفة عصر الأنوار باعتبارهم أنتجوا قيم التنوير الأوروبي بجانب القيم المركزية التي تدور حول التفوق العرقي والثقافي والمعرفي الحضاري للإنسان الأبيض الغربي.أعلوا من شأن الأولى واعتبروها قيما تمثل المكتسبات الحضارية التي ينبغي التمسك بها من العمق. وفككوا الأخرى نقديا وألحقوا تبعات ما جرى في أوروبا لمثل هذه القيم المركزية التي سيطرت على ذهنية هذه الأحزاب. هذه إحدى وجوه الأزمة التي نوقشت. لكن بعد دخول المجتمعات الأوروبية إلى مرحلة ما بعد الحداثة,أي مرحلة الصراع بين الدولة والمجتمع المدني على الهيمنة على الشأن العام, وكذلك مرحلة العزوف الملحوظ للشباب عن الاهتمام بالشأن السياسي وكذلك المآخذ السلبية على تجربة التمثيل الانتخابي, مرحلة بروز الهويات الثقافية المرتبطة بالأقليات ,والعودة إلى الدين كهوية أيضا, وتفكك الكيانات السياسية في ظل عولمة اقتصادية وهيمنة ثقافية للصورة والإعلام والفضاء الإلكتروني. بعد كل هذه التحولات وبسبب مؤثراتها انتقلت أزمة الديمقراطية الغربية إلى منطقة أخرى, إلى منطقة ضاعت فيها قيمة الفرد على حساب قيمة الجموع.ما معنى ذلك؟ معناه أن الفردانية كإحدى مكتسبات الحداثة صارت بفعل مكتسبات ما بعد الحداثة لا تملك المبادرة في التأثير على الفرد في حياته اليومية. صارت الجموع بفعل قوة الدعاية والإعلام والاتصالات هي التي تتحكم فيه, وفي تمثله للهويات التي يحملها في داخله.هنا موطن الأزمة:لقد فقد الفرد خياره السياسي الحر, وليس هذا فقط بل فقد حتى اختيار كيف يعيش حياته الخصوصية بعيدا عن تلك المؤثرات. والمفارقة هنا كما أشرنا إليها في بداية حديثنا هي بالتحديد في التالي : إذا كانت قيم الفردانية عند الغرب جرى تهميشها على حساب هويات الجموع بحيث أثر على الحياة الديمقراطية على اعتبار أن الفرد في هذه الحالة مسير وليس مخيرا, فإن الحالة المعكوسة في حياتنا العربية تقول: إن تاريخ الفرد هو تاريخ الجموع والفرق بين هنا وهناك هو أن المؤثر الذي يحرك الجموع العربية هو الموروث عبر التاريخ بينما المؤثر الذي يؤثر في الجموع الغربية الأسطورة التي تحركها ثقافة الصورة التي تنتمي إلى ما بعد الحداثة بالدرجة الأولى. Mohmed_z@hotmail.com