حسن السبع
إذا لم تخالف قيمة جميلة، أو تتعارض مع مبدأ الإتقان في العمل، وإذا لم تكن قاعدةً بل استثناء، فإن عبارة «مشي حالك» هي قرص الأسبرين اليومي الذي يحتاجه المرء في بعض البيئات الاجتماعية، كي يضبط تصرفاته وردود أفعاله وفقا للإيقاع الاجتماعي السائد. ذات يوم، في منتصف السبعينيات، جاء إلى مكتبي في الدمام صديق فرنسي وعلى وجهه علامات التذمر. كان حديث عهد بالمدينة، وقد قرر العودة إلى بلده. ولو كان صاحبنا من أبناء الضاد لذكَّرته بحكمة بشار بن برد القائلة: «إذا أنتَ لم تشربْ مراراً على القذى/ ظمئتَ وأيّ الناس تصفو مشاربُه».. واسيته قائلا: «هوّن عليك، فسوف تتكيف مع إيقاع الحياة هنا قريبا». بعد عدة أسابيع استطاع أن يضبط إيقاعه مع إيقاع الحياة في المدينة. كان بحاجة، آنذاك، إلى بعض التنازلات الصغيرة. بعد عام اتسعت دائرة أصدقائه، وتعرف على كثير من وجوه المدينة، صارت أموره ميسرة، وبدلا من أن يستعين بي، صرت أستعين به إذا اقتضى الأمر ذلك. لم يكن صاحبنا «شِكَلِيّا». والشِكَليّ، بكسر الشين وفتح الكاف، وباللهجة المصرية، هو من يثير المشاكل بشكل دائم، ولأوهى الأسباب. وليس عمليا أن يكون المرء «شِكَليا»، ولو كان كذلك لقضى العمر كله في خوض سلسلة من المعارك الصغيرة التي لا تتوقف. فقائمة المضايقات والمنغصات اليومية كثيرة. حكت لي قريبة تعمل في مجال الطب، والعهدة على الراوي، أنها كانت مع فريق عمل في زيارة للهند، وقد توصلت، أثناء وجودها هناك، إلى قناعة فحواها أن على المرء أن يكون صبورا، وأن لا يطلق لتوقعاته العنان، وأن يطبق شعار «مشي حال» في اليوم أكثر من مرة. ففي المطعم، مثلا، لا تتوقع من الذي يحضر لك علبة البيبسي والكأس أن يقوم بفتح العلبة وملء الكأس. عليك أن تنتظر جرسونا آخر ليقوم بتلك المهمة «الصعبة». أو أن تعمل ببيت الشعر القائل: «ما حكَّ جلدَكَ مثلُ ظفركْ/ فتولَّ أنتَ جميعَ أمركْ». أي أن تفتح العلبة وتملأ كأسك بدلا من الانتظار الذي قد يطول. كان أحد أعضاء ذلك الفريق لا يتساهل مع الأخطاء، وفي كل مرة يجد الخدمة في مطعم الفندق أقل من توقعاته يطلب حضور المدير ليحل الإشكال بينه وبين العاملين. ثم ينتهي زملاؤه من تناول طعامهم، وهو ما زال ينتظر المدير الذي يأتي ولا يأتي. ترى ما ذا عسى أن يفعل صاحبنا لو تعامل مع جرسونة كتلك التي ابتليت بها في مقهى أحد فنادق مدينة عربية؟ يومها وجدت أنه لا جدوى من الاحتجاج، أو انتظار المدير الذي يأتي ولا يأتي. كل ما فعلته هو أنني أخرجت ورقة وقلما وبدأت أكتب نصا (حلمنتيشيا) يصف مستوى الخدمة في مقهى الفندق. وقد امتصت تلك الأبيات الشحنة الانفعالية، بل وجدت سوء الخدمة سببا لميلاد أبيات ضاحكة لم تكن في الحسبان. وهو ما يؤكد الرأي المتفائل القائل: إنه لا يوجد شيء سيئ بشكل مطلق. كان أحد الأصدقاء في بهو الفندق يشير إلى النجوم الخمس التي تعتلي (كاونتر) الاستقبال قائلا: «انظر إلى تلك النجوم الخمس.. فلو نفخت عليها فسوف تسقط نجمتان على الأقل». قلتُ له، إذن، استمع إلى أبياتي هذه، فهي تصف واقع الحال: «السلحفاةُ اشتغلتْ نادلةْ/ طلبتُ منها خدمةً عاجلةْ/ كوبا من القهوةِ (مزبوطةٍ)/ تطرد عن رأسي الذي أثقَلهْ/ طلبتُه صبحاً فجاءت بهِ/ بعد هجوعِ الناسِ في القائلةْ/ سكبتُ لي كوباً فألفيتُهُ/ شاياً بطعم الخدمة الفاشلةْ»!لم أكن ، يومها، شِكَليّا، لكن «الشِكَليَّة» تصلح في بعض الأحيان علاجا لحالات كثيرة كرستها في حياتنا عبارة «مشي حالك»، حتى صارت تلك العبارة هي القاعدة وليس الاستثناء. وكما يقال: «ثمة حدود لا يظل صبرك بعدها فضيلة»! فوق ذلك فإن عبارة «مشي حالك» وأخواتها لا تصلح شعارا لمن يسعى إلى تحقيق الكمال على المستوى المهني والإداري، بل هي سبب مباشر من أسباب تفشي أمراض البيروقراطية، وهي ضد التخطيط وضد إتقان العمل، لأنها مرادف للارتجال والعشوائية. والإدارة الناجحة لا تترك شيئا للمصادفة. hsn_saba@hotmail.com