محمد العلي

محمد العلي

يروى ـ يا سادة يا كرام ـ أن أول من استخدام هذا التعبير (صدمة الاستعارة) هو الشاعر ابن المعتز، والصدمة التي أحدثتها الاستعارة صدمة صاعقة دفعت أحدهم الى القول (إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل).ومن أطلق هذا القول / الصرخة.. الذي يجعل للغة ضفتين ثابتتين ابدا.. معذور لأنه ذو ثقافة شفهية تكرارية ـ حتى لو مارس الكتابة ـ وعنده ان هناك أصلا للغة وأن هناك فرعا.. ولابد للفرع أن يتبع الأصل، فإذا أثمر الفرع ثمرا مخالفا لثمر الأصل .. كان ذلك الثمر قادما من سفاح.هذا التعبير تناسل منه تعبير آخر أشد وقعا هو (صدمة الحداثة)، والصدمة التي أوجدتها الحداثة : هي الانتقال الكامل من الثبات الى التحول .. من ان الاشياء ذات جوهر ثابت الى أنها ذات طبيعة خاضعة للصيرورة.الصدمة اللغوية فتحت أفقا جماليا للإبداع وغيرت من حصار الصورة الشعرية.. لكنها كانت في اطار اللغة، الامر الذي سهل أن تكون نهايتها نهاية مدمرة حين أصبحت زخرفا لفظيا وحسب. أما صدمة الحداثة فتختلف اختلافا بعيد المدى عن أختها اللغوية.صدمة الحداثة لم تكن في عنصر واحد من عناصر الحياة الفكرية والوجدانية وسائر حقول النشاط الإنساني .. كانت صدمة تحمل قوة الطوفان أغرقت كل شيء. ليس هذا وحسب : الصدمة اللغوية لم تتجدد لانحصارها في بعد واحد. أما صدمة الحداثة فهي قد تحولت الى صدمات كلما جاءت صدمة بشرت بأختها في الحقول المادية والمعنوية على السواء.جاء في القاموس (صدمته حميا الكأس) إذا سكر.. وليس تشبيها بعيدا حين تكون صدمة الحداثة أشبه بكأس كلما فرغت ملئت مرة أخرى، ذلك لأن (صدمات) الحداثة التي نعيشها الآن لم تتوقف ولن تتوقف. إنها صدمات بعضها إثر بعض .. حتى في اللغة التي هي كل رأس مالنا رحنا نأخذ طرقا في التعبير لا العلمي وحسب، بل حتى الوجداني من بعض الصدمات الشعرية من اللغات الأخرى.اللافت والممض في نفس الوقت ان الصدمات لم تعد تؤثر فينا.. لقد فقدنا ما يسمونه (الاستجابة) أو أن الصدمات عادة .. والعادة تفقد الإنسان الالتفات، وكأننا جميعا المقصودون بقول المطرب العراقي (معود على الصدمات قلبي)( كنا طبيعيينلو كانت نجوم سمائنا أعلى قليلامن حجارة بئرنا ..)هكذا يقول محمود درويش.