محمد الحرز

محمد الحرز

أريد أن أتحدث في هذه المقالة عن بعض الأفكار الشائعة التي ترتبط بالمثقفين من جهة ورجال الأعمال من جهة , وطبيعة العلاقة بينهما وأثر هذه العلاقة على تطور المدن.والشائع دائما أنها علاقة تنافر وليست تصالح.بعض المثقفين يلقي اللائمة على طبقة رجال الأعمال في كونهم غير داعمين للثقافة.والعكس نجد أن هناك من رجال الأعمال من هو مقتنع بعدم جدوى المثقفين بحجة كونهم غير واقعيين وهم مجرد حالمين.وهكذا بين شد وجذب.إن إعادة طرح المسألة هي من الأهمية بمكان بحيث الخروج من هذه الدوامة هي بمعنى ما محاولة لفهم طبيعة كل طبقة : رجل الأعمال والمثقف, وفهم وظيفة كل منهما وموقعه داخل مجتمعه. وشرط البداية هو أننا قبل أن نتحدث عن خلل في العلاقة وقصور من طرف دون آخر. علينا أن نطرح المسألة من زاوية مختلفة.ولنبدأ بالتساؤل التالي:ما معنى الدعم المقصود هنا؟ ثم ما الدوافع التي تلزم رجال الأعمال بدعم الحركة الثقافية بوجه عام.في الغالب الأعم هناك وجهتان لهذه الدوافع , وذلك بالنظر إلى تاريخ العلاقة التي تجمع المثقفين من جهة ورجال الأعمال من جهة أخرى.الوجهة الأولى تتعلق بدوافع اجتماعية أكثر منها ثقافية.فالكثير من طبقة رجال الأعمال في المدن التقليدية التي لم تغيرها قيم الحداثة من العمق نجدها تسعى جاهدة في استقلال مكانة الأدب( وخصوصا الشعر) والثقافة التقليدية البسيطة عند عامة الناس وذلك للمساهمة في توطين المكانة الاجتماعية التي تحتاجها هذه الطبقة في فترة من الفترات.ولا ينبغي النظر إلى كلمة « استقلال» هنا بمفهومها السلبي, بل ينبغي النظر إليها باعتبارها إحدى الطرق والأساليب الضرورية- بعيدة المدى- التي تنتشر الثقافة من خلالها وبواسطتها, حتى وإن كانت هذه الطبقة لا تعي ذلك تماما.وأكبر شاهد على ذلك الصالونات الأدبية والمنتديات للأسر ذات المكانة ,والتي تمثل نقطة مضيئة في الثقافة المحلية.أما الوجهة الأخرى , فدوافعها تتعلق بحب الثقافة نفسها وهؤلاء في ظني قلة وتكاد تنحسر مكانتهم وأهميتهم في المدن التقليدية, بينما في المدن ذات الطابع الحديث فهي موجودة ومؤثرة ودورها بارز وفاعل في تحريك عجلة التنمية الثقافية لمجتمع المدينة. دبي وجدة مدينتان تأتيان في هذا الإطار.أما بالنسبة للاحساء فأظن الوجهة الأولى من الدوافع التي ذكرتها هي الغالبة على طبقة رجال أعمالها.وكما نرى بسبب كونها مدينة لم تلحق بركب المدن الحديثة فإن الثقافة والأدب والإبداع فيها لم تتحول إلى سلعة استثمارية تحقق هدف الانتشار الإعلامي المركز من جهة وتحقق المصالح التجارية لطبقة رجال الأعمال في نفس الوقت من جهة أخرى.هذا التعاضد هو النقطة المشتركة التي يمكن أن يلتقي المثقفون عندها مع رجال الأعمال في دعم الثقافة بطريقة أكثر حداثة وتطورا.وعندما نتحدث عن الثقافة بوصفها سلعة استثمارية فإننا نتحدث عن سوق مفتوحة للعرض والطلب. والثقافة المحلية بهذا المعنى لم تتحول إلى سلعة لها مواصفاتها وخطابها الإعلامي المروج وزبائنها المختلفون من جميع شرائح المجتمع بحيث يغري ذلك رجل الأعمال المستثمر والذي يبحث عن مصالحه التجارية بالدرجة الأولى.هذا النوع من الاستثمار معدوم بانعدام الصفات الثقافية والاجتماعية التي تهيئ لمثل هذا الاستثمار التجاري في الثقافة.حتى المدن التي نقول إنها بدأت تدخل مرحلة الحداثة مثل مدينة جدة على سبيل المثال لا زال استثمار الثقافة فيها يكاد ينحصر في الجانب الفني التشكيلي فقط دون بقية الجوانب الثقافية الأخرى.أما الشروط الحقيقية للاستثمار المفتوح بين الثقافة والاقتصاد فأظن أن أهمها إذا رأينا المدينة بدأت تتحول باتجاه الحداثة. وما أقصده هنا بالتحول تحديدا هو أن تصبح المدينة بمرافقها العامة ومؤسساتها الخدمية الرسمية والخاصة وشوارعها ومبانيها ومتنزهاتها ومخططاتها السكنية,أكثر مواكبة وعصرنة للمدن الحديثة ذات الأفق المستقبلي.ولا تصبح كذلك إلا بطغيان الحس الحداثي في التفكير التجاري والفني والإبداعي والثقافي والاجتماعي لأفراد المجتمع ورجل الأعمال والمثقف هو أحد هؤلاء . لا يمكن الاعتماد على الدولة فقط كي تتحول المدينة من طورها التقليدي إلى طورها الحداثي.على أبنائها أن يجسدوا مثل هذا الحس إذا ما أرادوا أن يحققوا شيئا لمدينتهم .Mohmed_z@hotmail.com