حسن السبع

حسن السبع

أثيرت، قبل أسبوعين، على الفضائية الفرنسية France 24 قضية منع التلاميذ دون الثالثة عشرة من استخدام الهاتف المحمول داخل قاعة الدراسة. ومن الأسباب التي طُرحتْ لتبرير هذا القرار أن الهاتف يساهم في تشتيت انتباه التلميذ، كما قد يستعان به في مادة الرياضيات بدلا من «تشغيل المخ» الذي قد يصدأ ويتبلد لطول عدم الاستخدام. ناهيك عن مضار الهاتف المحمول الصحية على الصغار. وهو قرار لا يصب في مصلحة شركات الهاتف المستفيدة من ثرثرة المستهلكين صغارا وكبارا. الطريف في الأمر أنه وبعد أن أُشبعَ الموضوعُ نقاشا وتحليلا، وما أن انتهى وقت البرنامج حتى تبعه إعلانٌ تجاريٌّ مغرٍ عن ال.. Iphone لو سمعه الفيلسوف الزاهد سقراط لبادر إلى اقتنائه، وهو الذي قال، ذات يوم، وقد رأى كثرة المعروضات في السوق: «ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها»!لكن الهاتف المحمول، وبقية وسائل الاتصال الأخرى ليست مشكلة الصغار وحدهم، بل يطال تأثيرها الإيجابي والسلبي الجميع. إيجابيات وسائط الاتصال كثيرة، لكن لا يوجد شيء واحد في هذه الحياة إيجابي بشكل مطلق. عليك أن تتخيل ذلك السيل الجارف من رسائل ال sms التي تزعجك يوميا لأنها لا تعني لك شيئا على الإطلاق، هذا إذا لم تكن مضامينها «مضحكة» كونها تتعارض مع طريقة تفكيرك. تلقيت خلال كتابة هذا المقال ثلاث رسائل دعائية أعتبرها مزعجة. توجد في البريد الالكتروني خدمة للتخلص من البريد غير المرغوب فيه spam أو Junk mail قبل قراءته، لكني لا أعرف، حتى الآن، خدمة كهذه خاصة بالهاتف المحمول. لم يعد ممكنا، وفي ظل ثورة الاتصالات الحديثة، الاستمتاع بالحد الأقصى، وأحيانا الأدنى للعزلة. ولم يعد ممكنا أن يتواصل الحديث بين الأصدقاء دون أن تقاطعه رنة هاتف محمول طفيلية. وما أن يفرغ زيدٌ من مكالمته لتواصل، أو يواصل عمرو الحديث، حتى يرن هاتف بكر.. وهكذا دواليك. تصور أيضا زوجا وزوجته، أو صديقا وصديقه كل واحد منهما مشغول عن الآخر ب «تصفح» هاتفه المحمول. إنه حضور أشبه بالغياب. وتصور كذلك ابنك الذي يأتي لزيارتك مرة في الأسبوع، ويقضي نصف وقت الزيارة منادما الهاتف أو اللاب توب.في كتابه (كيفية السفر مع سلمون) وتحت عنوان (كيفية عدم استخدام الهاتف المحمول)، وبعد أن يشير أمبرتو إيكو إلى فوائد الهاتف المحمول للمرضى والمعاقين ورجال الإسعاف وأطباء الريف ورؤساء فرق الإطفاء، يتهكم على مستخدمي الهاتف المحمول دون ضرورة تذكر. تماما كما يفعل أولئك الذين لا يبدأون السفر حتى يتبادلوا الترهات مع من سيتركونه وراءهم من الأهل والأصدقاء. فهل ذلك ناجم عن الشعور بمتعة الخلاص ممن سيفارقونهم؟ قد يحتاج الأمر إلى محلل نفسي لتفسير ذلك. أما الكاتب الساخر يوسف معاطي، وهو كاتب خفيف الظل واسع الخيال، وكثيرا ما استشهد ببعض قفشاته. فيذهب بالنكتة إلى أقصاها وهو يتحدث عن تغلغل الهاتف المحمول في حياتنا حتى في الحمام. ويروي الأستاذ معاطي (أو يتخيل) كيف دخل حمام أحد الفنادق، والحمامات في الفنادق متجاورة، فسمع جاره يقول بصوت عال: «اسمع يا فوزي.. قول له يجيب الفلوس اللي عليه.. أنا ح أديله مهلة لحد بكرة الظهر.. بعد كده أنا حا تصرف». ثم سمع جاره الآخر يصرخ قائلا: «مش حا طلقها.. وتعمل اللي هي عاوزاه.. قول لها كده يا سليمان»! خرج الثلاثة من الحمام، وعند الحوض حيث وقفوا ليغسلوا أيديهم، همس يوسف لأحدهم قائلا: «اصبر عليه شوية.. ما دام عنده نية السداد..»! وقال للآخر: «ما تدخلش سليمان بينك وبين مراتك»! نظر كل منهما نحوه باندهاش.. لكنه تركهما وجرى مسرعا. إلا أن شخصا آخر لحق به ليقول له: «عاملين صينية بطاطس ع الغدا.. بالهنا والشفا» ويبدو أن هذا الأخير قد سمعه وهو يكلم المدام من الحمام. قد تكون هذه الحكاية من خيال الأستاذ يوسف معاطي، لكنها تمثل الواقع خير تمثيل. «والليالي من الزمان حبالى/ مثقلات تلدن كل عجيب» من عجائب استخدام الهاتف المحمول. hsn_saba@hotmail.com