خليل الفزيع
تحفل برامج وصفحات وزوايا الرأي في وسائل الإعلام المختلفة، بالآراء القابلة للاختلاف، وتدور حولها أحيانا مناقشات نتيجة اختلاف الرأي مع أصحابها، وهو أمر طبيعي، لأن آراء الناس وأفكارهم ليست واحدة، كما أن كلامهم ليس منزها من الخطأ، وما من رأي إلا ويقابله رأي آخر، رفضا أو قبولا. لكن في حالة اختلاف الرأي مع الأسف الشديد غالبا ما يركب المتحدث أو الكاتب موجة العنف، والتصدي لأي رأي يختلف معه بقسوة لا هوادة فيها، وهي قسوة تورث العداء وتستفز مشاعر الطرف الآخر، وتؤكد انحراف المزاج، والأسوأ أن يتحول النقاش إلى الأمور الشخصية، وكأن الكتابة أو إبداء الرأي من خلال أية وسيلة إعلامية إنما هدفه تصفية حسابات قديمة، وبذلك تتحول بعض وسائل الإعلام إلى ساحة معركة تستخدم فيها كل الأسلحة المباحة وغير المباحة، ليتحول اختلاف الرأي إلى انعدام الوفاق بين الأطراف المتنازعة على رأي يحتمل الخطأ والصواب. ووسائل الإعلام التي تفتح صفحاتها وبرامجها لاحتضان هذا الاحتقان تسيء إلى نفسها أمام القارئ والمشاهد، عندما تسقط في مصيدة الإثارة الإعلامية الممجوجة، والتي لا تعتمد منهجية علمية أخلاقية واضحة، بل تتخبط في مسارها للوصول الى جذب ذلك القارئ أو المشاهد متجاهلة وعيه وثقافته وإدراكه لكثير من الأمور، فلم يعد يسلم بكل ما يقرأ أو يسمع، بعد أن حقق وعيا متقدما في تعامله مع وسائل الاعلام، خاصة تلك الباحثة عن الشهرة والانتشار بوسائل ملتوية ومستهجنة، مع أن الشهرة والانتشار يمكن تحقيقهما بأساليب أكثر وعيا وإحساسا بالمسئولية، وأكثر إدراكا لدور الإعلام في الإصلاح الاجتماعي. والكتاب أنفسهم عندما يتراشقون بالألفاظ النابية والعبارات المجحفة في حق غيرهم.. إنما يؤكدون غياب الانسجام بينهم وبين أنفسهم، من ناحية، وبينهم وبين قرائهم من ناحية أخرى، وبدلا من النأي عن مزالق العداء مع قرائهم، نراهم أشد اندفاعا لتجنب الوفاق مع الذات ومع الآخر، مع أن هذه الأساليب لا تؤدي إلا إلى طريق مسدود. والذين عرفوا بحدة الطباع وانحراف المزاج هم أكثر من غيرهم حاجة إلى ضبط النفس حتى وإن تم استفزازهم من آخرين، فهم ليسوا في سباق مع العداء، ولكنهم في مواجهة تحد أخلاقي عليهم إثبات قدرتهم على تجاوزه، لأن الكلام غير المسئول هو سلاح الضعفاء، وحجة من لا حجة له. لا خلاف على أن الاختلاف مطلوب، لكن وسيلة التعبير عن هذا الاختلاف تحتاج إلى كثير من الوعي.. والوقوف عند الحدود التي تحول بينهم وبين الإساءة لغيرهم، ومن يملك سلاحا للهجوم لابد أن يعرف أن غيره يملك سلاحا أقوى للرد، مما يدخل الطرفين في صراع لا جدوى منه، وقد يبلغ شرره أناسا لا ناقة لهم فيه ولا جمل. وما لم يتميز اختلاف الرأي بالروح الرياضية المؤدية إلى الوفاق بين الطرفين، رغم تباين الآراء والأفكار، فسيظل التناحر قائما بين أطراف هدفها الإصلاح وإشاعة الخير، وتأصيل المثل العليا بين الجميع.khalfizaia@alyaum.com