مطلق العنزي

مطلق العنزي

لم تشغل الدنيا أية مسألة أكثر من حكاية «الكأس»..وللكأس حكايات وقصص وروايات متنوعة، ومتلاطفة ومتناقضة منذ كؤوس أبو نواس، مروراً بكؤوس الأولمبيات الحديثة، إلى الكؤوس التي تقرع وتتلاطم وتتكسر في كل مكان..ولكن حكاية «الكأس نصف الملآن» أو «نصف الفارغ»، لم تملأ الدنيا وتشغل الناس مثلها.لنرى ماذا في النصف الفارغ للكأس..نرى رجالاً منا شديدي بأس، مخلصين، يملكون طاقة جبارة، عالية الهمة. وينذرون أنفسهم وحياتهم ودماءهم وأموالهم، ويشغلون أنفسهم ليل نهار من أجل إنجاز المهمة..وهذا مفرح.. ويبدو لنا الكأس ملآن..ولكن ما هي «المهمة»..؟«الصدمة»..! حينما نعرف أن هؤلاء يفعلون كل هذا من اجل قتلنا وهدم منازلنا وتدمير كل مكاسبنا وانجازات مدارسنا ومصانعنا واقتصادنا، وكل ما بنيناه في سنين طوال عجاف، وبالتالي: إذلال بلادنا..كيف يدعون أنهم منا، ثم ينذرون أنفسهم لمهمة هي أسوأ مما يفعل الأعداء.الأعداء الآن، يجلسون واضعين رجلاً على رجل.. ويتناولون مرطباتهم ومشروباتهم.. ويتفرجون..!.. إذ كفاهم قوم منا «تبرعاً» إنجاز خبائثهم.لنتخيل «الكلفة» التي تنفقها منظمة القاعدة لإعداد «انتحاري» ليفجر نفسه أحياناً في صحراء أو على مقربة من نقطة تفتيش.إنها كلفة عالية: جهد وسهر وأموال، وكلفة تنقل واختباءات وتزويرات واستئجار سيارات ومنازل ومخابئ، وشراء أسلحة ومتفجرات وتهريبها، ورشاوى وشراء ذمم وكذب وخداع، وسهر ليال طوال لـ«تشبيكات» الاسلاك، والتدريب العضلي والنفسي والعلمي.. إلخ.كل هذه الكلفة العالية الأكثر كلفة من بناء مدارس ومشروعات.. من أجل ماذا؟كل ذلك من أجل أن يأتي شخص مصاب بلوثة فكرية ونفسية ويفجر نفسه.. وإذا استطاع أن يقتل آخرين وييتم أطفالاً ويرمل نساء، فهي من بركات «كراماته» كما يظن.إذا ما تخيلنا هذه المجانية التي يقتل فيها المرء نفسه ويؤذي آخرين.. وإذا ما تخيلنا هذا التفاني الذي يبذله من أجل إذلال أهله ووطنه ومساعدة أعدائهم، سنقول إن نصف الكأس فارغ أو فارغ منذ سنين وأزمان..ولكن ما يجعلنا نؤمن بأن «الكأس نصف ملآن» هو أن هؤلاء مجرد شذوذ طبيعي و«لوثة» عابرة جربتها كل الأمم والشعوب البلدان والأديان، وذاقت مراراتها.. ثم انجلت..ومن لطف الله بنا، أن وفق رجال الأمن الساهرين على حماية الدم والوطن والدين، لإحباط معظم هذه الأعمال، وهزموا الشيطان وأعوانه، ومريديه وأحبابه.. والحمد لله رب العالمين.*وترهل تسمعين..طيوف أفراح الأقمار..وصوت خطى من خبوث الدهناء.. يدنو..رائحة الشيح.. وزهر خزامى..وباقة من أناشيد غيلان إذ تفيض طلوح حزوى في مهج السرى.. malanzi@alyaum.com