حسن السبع
كل شيء تحت السيطرة، ليس بالقوة بل بالتأثير! هذا ما يمكن أن يقوله، وبثقة، القائمون على أجهزة الإعلام الحديثة. أصبحت الآلة الإعلامية وسيلة فعالة لتشكيل الأذواق، والتحكم بالعقول، ويبقى الإعلام المرئي/المسموع هو الأقدر على إحداث ذلك التأثير، لأنه أسرع انتشارا، وأكثر هيمنة في بث الوعي أو تغييبه. كل ذلك يعتمد على توجه جهاز الإعلام ومعاييره وأجندته الخاصة. قد تترك دعاية تجارية، أو فيلم سينمائي، أو مسلسل تلفزيوني لدى المشاهد من التأثير ما لا يتركه كتاب أو مقال عابر، فالكتاب لا يتوفر في كل بيت، وإذا وُجِدتْ، على سبيل التفاؤل، مكتبةٌ في البيت، وجَدْتَ من أفراد العائلة من يصحّ عليه قولُ الشاعر: «وعند الشيخِ كُتْبٌ من أبيه/ مصفَّفةٌ ولكن ما قرَاها»! ومهما ارتفع عدد قراء الكتب والصحف والمجلات فهو لا يشكل شيئا يذكر قياسا بعدد المشاهدين، ومهما كان تأثير الكتاب أو المقال، إن كان لهما تأثير، فهو محدود. ومن يتوهم أنه سيصلح العالم أو يغيره بالكتابة فهو لا يختلف حالا عمن «يغمز في الظلام». في كل بيت أكثر من جهاز تلفزيون، وبرامج التلفزيون تتسلل إلى البيوت دون استئذان، ويتابعها الملايين من مختلف الأعمار والاهتمامات. وإذا كان المقروء، في الغالب، نخبويا، فإن المرئيَ والمسموعَ لا يستثني أحدا، فهو شعبي أو جماهيري. لا صبرَ ولا وقتَ لدى القارئ غير المهتم كي يقرأ رواية من مئات الصفحات، لكن لديه الوقت الكافي لمشاهدة الرواية في فيلم لا تستغرق مشاهدته وقتا طويلا. غير أن هذه المقدمات لا تلغي أو تقلل من أهمية الكلمة المكتوبة. فقد كانت كل الأعمال الفنية المرئية والمسموعة، وما زالت، رؤى ومشاعر وأفكارا تحولت إلى نصوص مكتوبة قبل أن تصبح أعمالا فنية تمثل تآلف الكلمة والصورة. حتى تلك الأعمال الفنية الإيمائية كالأفلام الصامتة التي استبدلت الصوتَ بالإشارة، لم تكن في البدء سوى فكرة مكتوبة. غير أن الفكرة لا تحقق كل ذلك الانتشار إذا بقيت حبرا على ورق. تأمل، على سبيل المثال، كيف تنتشر كلمات قصيدة فيسمعها كل الناس بعد أن يتبناها ملحن ومغن. وكيف تنتشر رواية بعد أن يتبناها منتج ومخرج. لقد ساهمت السينما في انتشار أعمال أدبية ليست أكثر إبداعا من غيرها، وساهم الغناء في ذيوع نصوص شعرية فصحى وشعبية متواضعة.في كتابه (الكتابة بالضوء) يقتبس أمين صالح قول جوزيف كونراد: «مهمتي التي أحاول إنجازها، بواسطة الكلمة المكتوبة، هي أن أجعلكم تسمعون وتشعرون، وقبل كل شيء أن أجعلكم ترون» ويعلق المؤلف على ذلك قائلا: «بعد سنوات قليلة جاء السينمائي لينجز هذه المهمة». وفي هذه الأيام تلعب الصورة متآلفة مع الكلمة المضيئة دورا في رفع وعي المشاهد، وتمكينه من فهم الواقع، والتفاعل مع مجتمعه انطلاقا من ذلك الفهم. ولعل هذا هو ما يدفع المهتمين بالشأن الثقافي إلى المطالبة بإيجاد قناة ثقافية تعنى بالحراك الثقافي والفكري، وتهتم بنقل نشاطات المؤسسات الثقافية، وفعاليات الأندية وجمعيات الثقافة والفنون، وتقريب الأعمال الإبداعية إلى ذائقة المشاهد، وإيصال صوت المثقف والمبدع إلى الداخل والخارج على السواء. فهي وفقا لهذا التصور نافذة يطل منها المثقفون على الجمهور وعلى نظرائهم في الداخل والخارج.عندما تقام أمسية شعرية، أو تلقى محاضرة، أو تعقد ندوة في مؤسسة ثقافية فإن حضور هذه الفعاليات غالبا ما يقتصر على المهتمين بالشأن الثقافي. فهو حضور محدود. وتبقى القيمة الفكرية والجمالية التي تحاول تلك الفعاليات تكريسها قاصرة على النخب، فكأنها «تبيع الماء في حارة السقائين». أما تغطية مثل هذه الفعاليات في الصحافة فغالبا ما يكون مختصرا أو مبتسرا، ولا يتناسب مع قيمة النشاط أو أهميته، وعادة ما تأتي التغطية الصحفية على شكل تقرير لا يهتم بالمتن قدر اهتمامه بالهامش. وما لم تتوفر قناة ثقافية تعنى بنقل تلك الفعاليات، لتصبح في متناول الجميع، فسيبقى تأثيرها الثقافي والاجتماعي محدودا.ولدت فكرة هذا المقال مساء الثلاثاء الماضي بعد محاضرة الأستاذ إبراهيم البليهي عن «الريادة والاستجابة» في نادي المنطقة الشرقية الأدبي. ليلتئذ، تمنيت ميلاد مثل هذه القناة الثقافية.hsn_saba@hotmail.com