سليمان أباحسين
مر على الصحافة الاجتماعية والاقتصادية العديد من النماذج الناجحة التي سخرت للمجتمع،تجارب دولية عظيمة، في الهند والوطن العربي والخليج. إنها تجارب كل تجربة منها تطرح نموذجها، حيث كان قياسها مخرجاتها، من تحويل الاسرة المعدمة الى أسرة منتجة، من تجربة بنك الفقراء الى تجربة باب رزق جميل المحلية لمجموعة أبناء الشيخ عبد اللطيف جميل. كل فترة نشهد بها مبادرة تفتح بابا جديدا في فضاء الإنسانية الجادة، وليس الإنسانية المتعاطفة على الفقراء حين ترمي لهم الفتات، وإذا حاصرتها السياسة جاع الخط الفقير منها. لا ليس تلك، بل هي الإنسانية الواعية والمربية والخلاقة ، أي أن تعمل بيدك وأن تكسب مشروعا يستر عليك وينقلك كأسرة ويمثل امتدادا الى خط الإنتاج. الأسبوع الماضي تلقيت دعوة كريمة من رجل كريم، للاطلاع ـ وعن قرب ـ على مشوار صندوق الأمير سلطان لدعم مشاريع السيدات، على مستوى تمثيل رفيع من دار «اليوم» تقدمه الأستاذ المدير العام والأستاذ رئيس التحرير عضوا مجلس الصندوق، ولم أتعد الكتابة عادة حين أستقبل الدعوات، لكن «الدعوة هذه» كانت استثنائية، لحدث استثنائي، ولمكان استثنائي. استقبال بسيط غير مكلف وعملي،عرض قصير، نقاش واضح, ودهشة بأن هذا الموقع ـ الذي يقع على طريق الدمام الخبر السريع وفي المبنى الاقتصادي الفاخر الذي امر عليه يوميا في طريقي إلى مكتبي ولا اعرفه الذي يحتل فيه موقعه مساحة مناسبة ـ يضم أضخم مشروع نسائي في المنطقة، ويعج بالجد والاجتهاد والوعي ، يفتح البيوت المظلمة، وينير العقول المقفلة نحو أهمية برامج الأسر المنتجة في مجتمعات عربية بدأت لتوها تصحح مفهومها- إن صححته - ونحو تعزيز مبدأ الشخصية الجادة للمرأة ، ام الوطن ونتاجه، كحاضنات للأعمال. إنه صندوق الأمير سلطان لدعم مشاريع السيدات. أجيد لغة الأرقام في معادلات نحو برنامج مثل هذا، وأقف إجلالا لتحويل 340 فتاة في 18 شهرا، الى رائدات مشاريع منتجة، مشاريع غريبة، جادة ، مربحة. لقد دهشت من حجم التجربة، لدقتها، ولهول العقبات والتعقيدات، في مجتمع يغيب فيه وضوح الرؤية لكل ما يمس عمل المرأة، لغياب التشريعات. دهشت كثيرا من قناعة الداعم الكبيرة، وإصرار الإدارة التنفيذية على إنجاح جملة المشاريع التي رأيتها، ونوعية دراسة الجدوى، للدعم الفني المقدم، ومبلغ التمويل، ومدة سداده، وتحصيله الذي بلغ في بعض المشاريع أربعة أشهر فقط بعد الافتتاح، ونجاح المشاريع نفسها، ونجاح الصندوق، وفرحة بعثت مزيدا من الأمل في مجتمعنا، لكل هذا وذاك، دهشت، واسترجعت أملا خاب لدي، وانا غير آسف عليه إلا بعد ان اقتربت من هذا المشروع بأن هناك 340 فتاة يدرن ويعملن في مشاريع متعلقة بالمرأة وبنا. لا أجيد العاطفة كثيرا، ولا أحب من يسترجيها دون أن يكون أهلا لها. فنحن لسنا أمام جمعية معنية بالحالات الإنسانية، بل في قلعة تحول في التاريخ، تستطيع ان تفتخر الشرقية بها وهي تطلق يدها لمبادرة عظيمة لبنت الوطن، ولكل الوطن وهذا ما اتضح من أسماء عائلات واسر المنتميات لتلك المشاريع الناجحة، التي جاءت من مناطق عديدة. وكما لا أجيد العاطفة، لا أجيد في العادة المبالغة، بل أكتب وانا أتخيل نحو بيوت 340 فتاة وسيدة في الشرقية بكل أنواع العلاقة، من فقر، وغنى، وإثبات ذات، ووعي في حراك اجتماعي سليم، يعزز الثقة فينا وفي 18 شهرا. الجهد كبير لا شك، واذا كنت أعني فأنا أعني أمينه العام ومديرته التنفيذية ، اللذين عملا بصمت، في مجتمع اقولها بصراحة بالغة نعاني فيه الوهن الكثير ونحو الكثير من علاقتنا بعضنا البعض، ومن توجسنا نحو المرأة، ونحو عملها حتى وان كانت في مكانا مغلقا عليها. صندوق الأمير سلطان هو صناعة تاريخه للتحول نحو مؤسسات فاعلة للأسر المنتجة، ونقلة فاخرة للقناعة التي تنقلك بأن تكون المرأة منتجة بعيدا عن الرجل، ونحو توظيف نوعي لفتاة وسيدة تعمل بدون راتب، بل لصاحبة مشاريع منتجة ومربحة، بموافقة شرعية من علمائنا ومشايخنا الإجلاء، وفي ذلك أطالب الدوائر المعنية بسن الوعي نحو تعليمات ولي الأمر، لا تعقيدها، وكنزها في درج المسؤول. فربما يكفينا ما نسمعه من الشارع « نحن لا نؤجر للنساء»، وكنت سمعتها في نقاشنا، كما سمعت ومن سمع ليس كمن رأى. شكرا لأمير المنطقة رئيس مجلس الإدارة ، الذي قال في تعريفه «لقد أخذنا على عاتقنا في صندوق الأمير سلطان أن نعمل على رسم رؤية جديدة معاصرة لواقع المرأة السعودية تستند إلى قيمنا العربية الإسلامية «. انه فعل الكبار، شكرا لسعادة الأستاذ حسن الجاسر أمين عام الصندوق ولسعادة المدير التنفيذي هناء الزهير. شكرا لكل هذا الحب والإيمان. فالقلب على رأي شيخنا الفاضل علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ منزل بين أقدس شيئين الإيمان والحب، وأضيف «والعمل «، وهذا يكفي. sabahussain@alyaum.com