محمد الحرز

محمد الحرز

يرجع الباحث محمد الحداد التطرف الديني الذي ما زال يسيطر على الفكر الديني الإسلامي المعاصر إلى سبب يطلق عليه «المزايدة المحاكاتية» والتي «تدفع الوعي الديني باتجاه محاكاة الأصل بدل الانفتاح على المتغيرات الإيجابية للعصر». بهذه المقولة لم يخرج الباحث عن المنظور الذي طرحه أغلب المفكرين المتنورين الذين عالجوا هذه القضية وإن اختلفت مناهجهم وأولوياتهم في النظر والمساءلة. فالجميع كان يعيب على الوعي الديني السائد تعلقه بماضيه تعلق المتشبث من الغرق, وكأن الرجوع إلى ماضي تراثه يمثل خشبة الخلاص التي ينبغي التمسك بها مهما كلفه الأمر. ولا مناص من أن هذا النوع من التمسك بالتراث هو المقصود في الخطاب النقدي عند أغلب المفكرين والباحثين. وبالتالي انحسار التجديد والاجتهاد والإصلاح هو من أخطر النتائج التي تولدت عبر هذا النوع من التمسك. كل هذا الكلام معروف ولا يحتاج إلى شرح ويكاد يكون من البديهيات على الأقل عند القارئ المطلع. لكن ما نود التركيز عليه هنا هو عن طبيعة المقاربة الفكرية للباحث محمد الحداد من خلال بحوثه ودراساته وكتبه ومقالاته: من كتابه «حفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي» إلى كتابه «ديانة الضمير الفردي» مرورا بكتاب «الإسلام نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح» وكتاب «البركان الهائل في آليات الخطاب الإصلاحي وحدوده». جميعها لا يشغل بالنا منها سوى المنهجية التي حلل من خلالها فكر النهضة. وعليه فقد أطلق مصطلح «السرديات الكبرى» وهو أحد المفاهيم الأساسية التي ترد في مجمل قراءاته. وهنا نتساءل ما المقصود بهذا المفهوم؟ يرى أن فكر النهضة الإصلاحي طغى على تفكيره نوع من اللغة التصويرية ذات المضمون البلاغي التي تخلو من المفاهيم المبنية على قراءة الواقع قراءة تأويلية معمقة. فهي مجرد شعارات لا ترقى إلى معرفة تنتج فكرا مغايرا. وعندما سئل عن قصده من هذه السرديات أجاب: هي أكثر من شعار ولها وزن أكبر «السرديات النهضوية الكبرى كأن يقال إن باب الاجتهاد قد أغلق وأنه ينبغي أن يفتح من جديد. هذه مثلا سردية من السرديات النهضوية الكبرى لأنها قائمة على لغة تصويرية وليس على مفهوم ورؤية منهجية. فلذلك ظلت مجرد صورة استعارية من دون نتائج واقعية». ويمكن الإشارة أيضا إلى جملة من السرديات المتنوعة التي وردت في قراءاته. لكن الملاحظ هنا أن كل سردية هنا هي نتاج سوء فهم في قراءة الواقع والآخر. وعندما كان فكر عصر النهضة واقعا تحت تأثير السرديات الكبرى التي لم يخل منها أيضا الفكر الحداثي الغربي خصوصا فكر القرن التاسع عشر, كان على فكر عصر النهضة أن يواجه سوء فهم مزدوج: في فهمه للغرب من جهة وفي استعارته لهذا الفهم في تأويل ذاته من جهة أخرى. وعندما يضرب الباحث مثالا على ذلك فهو يشير إلى سردية التفسير الماركسي للثورة الفرنسية التي تغلغلت في الوعي العربي باعتبارها «واسطة مسار تاريخي بدأ مع لوثر في القرن السادس عشر ومر بفرنسا 1789 وبلغ ذروته مع الثورة البلشفية سنة 1917 وسادت تبعا لذلك نظرة معينة للعلمانية تراها متدرجة من الإصلاح الديني إلى المواقف البرجوازية من الدين لتنتهي إلى السياسات اللادينية التي رعتها الدول الاشتراكية الشعبية. والعلمانية بهذا المعنى ليست فصلا بين الدين والسياسة بل إلغاء الدين من حياة البشر». هذه السردية توضح إلى أي مدى من سوء الفهم الذي أصاب الفكر العربي في تبني نموذج من الفهم للفكر الغربي في تأويل ذاته. ونتائج هذا الفهم وخيمة كما رأينا في فهم العلمانية, رغم أن الباحث لا يشير إلى مكمن الصفة التصويرية التي ترتبط بمفهوم السرديات التي يحللها. لكننا نتفق على أنها بالنهاية سرديات كبرى كما حللها جان فرانسوا ليوتار في كتابه الوضع ما بعد الحداثي حول السرديات الكبرى التي ارتبطت بفكر ما بعد الحداثي, رغم الاختلافات التي يرصدها ليوتار في فهمه لهذه السرديات. يبقى أن نقول إن الباحث ينطلق في منهجيته من جملة المقولات التي طرحتها نظريات التلقي التي تدور حول ظروف نشأة القارئ والخصائص التي ترتبط به تاريخيا ومعرفيا واجتماعيا. فكل نص يتلقاه القارئ ينبغي أن يؤخذ في الحسبان المعارف والخبرات والحساسية الثقافية التي يمتلكها القارئ أثناء القراءة, ناهيك عن الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية المحيطة بعملية القراءة, وهذا ما طبقه محمد حداد هنا بامتياز.Mohmed_z@hotmail.com