حسن السبع
مع تطور الشبكة الدولية للاتصالات (الإنترنت)، ووجود ما يسمى بالمواقع التفاعلية التي تتيح للمتصفح التعبير عن رأيه في الأحداث والقضايا ومقالات الكتَّاب، صار بإمكان أي متصفح أن «يضيف» ولو على طريقة سرحان عبد البصير، وأن يدلي بدلوه في أي شأن من الشؤون سواء كان قريبا أم بعيدا عن مجال اختصاصه. فـ «العِلْمو نورن».. والتعليق لا يكلف كاتبه أكثر من سطرين أو ثلاثة «مثخنة» بكل أشكال الأخطاء الإملائية والنحوية. ولا بأس في هذا كونه يتيح للمرء فرصة التعبير عن نفسه، ومقاومة عزلته، أو ما يسميه دكتور كمال أبو ديب ب «الخروج من المجهولية أو المغمورية»، ما لم ينتج عنه أي شكل من سوء الاستخدام لهذه الوسيلة الحضارية التي جعلت العالم منتدى كبيرا للتواصل، وتبادل الأفكار ، وأتاحت الحصول على المعلومة بسهولة ويسر. بعض المواقع أشبه بـ (الهايدبارك) تستطيع حتى السيدة (سباجه) أن تقول رأيها في زوجها السيد (شارد بن جمعة).. وأن تنشر غسيله أمام الرأي العام. كما في المسرحية الكويتية «باي باي لندن» . لكن خطاب السيدة (سباجة) سيكون أكثر مسؤولية وتهذيبا من خطاب بعض أشباح الشبكة العنكبوتية. فهؤلاء ذوات أو كائنات افتراضية لا أسماء لها ولا وجوه. يقال إن الأذكياء يناقشون الأفكار، والعقلاء يناقشون الأحداث، والعوام يتكلمون في الأشخاص. وهذا ما تؤكده معظم التعليقات التي يجود بها أولئك (الأثيريون) فهي لا تتعدى النيل من الأشخاص دون مقاربة للأفكار. وحين يعلّق أحدهم على مقال يناسب هواه، ويتناغم مع قناعاته مخاطبا الكاتب بقوله: «عليك بهم»، فإنما يشحذ همة الكاتب لمزيد من «شخصنة» القضايا محل الاختلاف. في مثل هذه المواقع التفاعلية، وبعد مجموعة من التعليقات المتشابهة المساندة للكاتب أو المناوئة له، ينسى الجميع القضية الأم، ويدخلون في قضايا فرعية أخرى لا علاقة لها بالموضوع المطروح على بساط المماحكة. ثم تنشب حرب أين منها (داحس والغبراء).. «واللي ما يشتري.. يتفرج». «عليك بهم» هو شعار كثير ممن يعششون في تلك المواقع التفاعلية. كل فئة تسعى للنيل من الأخرى بشكل مثير للشفقة والضحك، ولا علاقة له بروح الحوار المنتج. غير أنه لا يمكن تعميم هذا على كل المواقع والمنتديات، ولكل قاعدة استثناء، كما يقال.قبل هذا التطور التقني كنا نحتفظ بصورة طوباوية زاهية. كنا نرى الأكمة فقط، ولم نكن نعرف ما وراءها. تحطمت تلك الأحلام الوردية فوق صخرة «عليك بهم».. و «نل منهم» وبقية العبارات المتحاملة التي يتحرج المرء من الاستشهاد بها.. ولأن الشعارات الزاهية لا تصنع مستقبلا، ولا تضيق مساحة الخلاف والتشرذم، فإن الأمل معقود، والحال هذه، على إعادة النظر في النظم التربوية «من الشام لتطوان» وبقية الامتدادات الأخرى. فربما يتحقق حلم الشاعر حليم دموس الذي رددنا قصيدته تلك صغارا حتى بحت أصواتنا.لن أخرج عن صلب الموضوع بهذا الاستطراد الذي لا بد منه. فقد كتبت مرة عن الحرب الفكاهية العالمية الأولى. واستعرضت بعض ما تقاذفه الأمريكان والفرنسيون المعارضون لاحتلال العراق من نكات. وقلت: «إن النكات وبالرغم من تحاملها أقل تكريسا للشحناء، فقد كان كل طرف من أطراف النزاع يجيب على القذيفة الهزلية بقذيفة أخرى. وقد فاز في تلك الحرب الفكاهية الأخف ظلا، والأسرع بديهة، ومن يمتلك حس الدعابة. كثيرون هم الذين لا يتبرمون بالنقد إذا جاء على شكل نكتة، حتى لو كان النقد متحاملا، وما أريد أن أصل إليه من تلك المقدمة التي تتحدث عن الدعابة هو أن شعار «عليك بهم» أو «نل منهم».. أو go get them لو جاء على شكل دعابات لكان أفضل إخراجا مما هو عليه في صيغه الراهنة. فالمتفرج على «داحس وغبراء» الفكاهة سيقضي وقتا ممتعا، وخاليا من التوترات، كما أن القضايا التي تثار حولها كل تلك الزوابع مدعاة للضحك عند صاحب الأفق الواسع، والثقافة القادرة على استيعاب الاختلاف، والقبول بالتعدد المنتج المبدع.hsn_saba@hotmail.com