خليل الفزيع

خليل الفزيع

القول إن العرب لا يقرأون فيه استهانة بالعقول الجادة والباحثة عن الحقيقة في عالمنا العربي, لكن كم هي تلك العقول؟ وما نسبتها مقارنة بالملايين من المواطنين العرب من الخليج إلى المحيط؟ وهل كل العرب علماء ومفكرون ومثقفون وأدباء؟ والأصعب من هذا السؤال.. هل كل الذين يقرأون يجيدون القراءة الحقيقية لما وقعت عليه أعينهم, ولم يلج عقولهم وقلوبهم؟الذين يقولون إن السواد الأعظم من العرب لا يقرأون, يستندون ليس فقط على انتشار الأمية في العالم العربي, ولكن أيضا لانشغال العامة ومنهم الحاصلون على قسط لا بأس به من التعليم.. بالبحث عن لقمة العيش في مجتمعات لاتزال تشكو الفقر حتى وإن بدت من الخارج بعيدة عن هذا المنزلق الخطر, وما ذلك سوى نتيجة لانتشار الفساد الإداري, وانعدام الرقابة على المال العام, وتجاوز الأنظمة والقوانين من فئات معينة تبيح لنفسها ما لا يباح, إضافة إلى انعدام حرية الرأي في بعض دول العالموحتى معظم الذين يقرأون ليسوا على درجة واحدة من الوعي بالواقع أو الإحساس بما في ذلك الواقع من أبعاد وتناقضات تثير أكثر الأسئلة إلحاحا دون أن تجد الجواب, وهناك أكثر من فئة من القراء: فئة من لا تتجاوز قراءاتهم الأمور الهامشية التي يمرون عليها مرور الكرام.. وفئة من يقرأ ليجلب النعاس إلى عينيه عندما يدخل الفراش, ولا يجد مهربا من الأرق إلا بتصفح أحد كتب التسلية التي لا تجهد الفكر ولا تتعب الذهن، وفئة أخرى لا تنظر إلى ما هو أبعد من خطوات أقدامها, لتدور في فلك الذات الموغلة في (الأنا), وبذلك تحجب عن نفسها ما تحتويه الآفاق الأخرى من رؤى جديدة تسعى للتحاور والانسجام مع القديم لتأسيس رؤية جديدة مؤثرة وفاعلة في الممارسات الحياتية العامة، وفئة من يقرأ ليقال عنه إنه يقرأ, بلا هدف ولا غاية سوى تزجية الوقت, دون محاولة الاستفادة من القراءة كوسيلة للمعرفة أو تنمية الملكات الإبداعية, وفئة نمت معها هواية القراءة منذ الصغر فأصبحت عادة محمودة لا يمكن الخلاص منها، والقلة هم الذين يسكنهم هذا الهم، فتنعكس قراءاتهم على أفكارهم وسلوكهم الاجتماعي والثقافي. كل ذلك يعني انه حتى مع وجود من يقرأ يصبح وجود من يعي ما يقرأ هو الأهم, فقراءة بعض الأمور ميسورة للجميع, لكن الاختلاف حولها هو الذي يثري مضامينها المجردة, ويضفي عليها ذلك التنوع من الفكر الجاد, والثراء الثقافي المنشود, أما الخطأ في القراءة فهو الكارثة الحقيقية التي تقود إلى أحكام في غاية التعسف للذات وللآخر, ووجه الخطورة في مثل هذه القراءة أنها بقدرة قادر يمكن أن تقلب الحقائق, وتزيف الواقع, وتقدم لعامة القراء أنموذجا سيئا لما يمكن أن يكون عليه المثقف, إذا اختار عن قصد أو عن جهل طريق الخلاص من تبعات طروحاته, ولم يعترف بشذوذها وانحرافها عن جادة الصواب.من يحكم على العرب بأنهم لا يقرأون لا أظن انه يقصد القراءة المجردة, بل يقصد حتما ما وراء هذه القراءة من فهم تترتب عليه كثير من المواقف والنتائج التي لا تمس صاحبها فقط, بل تتعداه إلى من سواه, فهل العرب لا يقرأون حقا؟.khalfizaia@alyaum.com