محمد حمد الصويغ
قبل فترة من الزمن كنت أظن أن عقول شبابنا قد تحولت من رؤوسهم الى أقدامهم بفعل ما أشاهده بأم العين من « هوس كروي « وصل الى ذروته حيث تحولت أحاديث المجالس لدينا بصفة تكاد تكون عامة الى ثرثرة لا أول لها ولا آخر عن هذه المباريات في الداخل والخارج والى تفاصيل تصل الى درجة « الدقة « عن هذا المنتخب أو ذاك وراح شبابنا في حومة هذا التحول يقلدون حركات اللاعبين ومحاكاتهم وأقصد « الأجانب « منهم في كل تقليعة من تقليعاتهم بدءا من تسريحات الشعر ذات الأشكال والألوان المستهجنة مــرورا بارتــداء « الفانيلات « ذات الأرقــام التي يحملهــا أولئـك اللاعبون ووصولا الى التشبه بكيفيات تحريك رؤوسهم وأكتافهم وأصابعهم أثناء الحديث . أقول كنت أظن أن عقول شبابنا قد تحولت من الرؤوس الى الأقدام فاذا أنا اليوم أمام تحول جديد من الرؤوس الى البطون .. فما عادت الأغلبية من شبابنا من الجنسين لا الجنس الواحد يميلون كل الميل أو بعضه للاستمتاع بأكــلات أمهاتهــم فــي المنــازل .. وليس بمستغــرب أن تــــرى عشـــرات « الملصقات « على أبواب مداخل البيوت دون استثناء مدبجة بأرقام هواتف المطاعم ما كبر منها أو صغر حيث أضحى « التوصيل مجانا « وأصبح اهتمام أصحاب تلك المطاعم ينحصر في اختيار السائقين والسيارات أكثر من اهتمامهم بجودة ونوعية ما يقدمون لزبائنهم من مأكولات .. وأكاد أجزم أن « التائه « القادم من مدينة أو منطقة أو محافظة قريبة أو بعيدة الى الدمام على سبيل المثال لا الحصر وهو يبحث عن عنوان أحد أصدقائه سوف يجد « ضالته المنشودة « ان أشار بيده لسائق سيارة من سيارات تلك المطاعم . واذا استمر الوضع على ما هو عليه فانني أظن أن بيوت المستقبل سوف تشيد دون مطابخ فلا لزوم لها في عصر هذه الوجبات السريعة وسوف نترحم في القريب العاجل على أكلاتنا الشعبية التي قد تتحول الى « تراث « قد يكون عرضة للاهمال والنسيان لاسيما أن « فتيات المستقبل « يجهلن الطبخ تماما بل قد يجهلن كيفية « سلق البيض « ناهيك عن أبسط الوجبات الأخرى .. وأرقام عشرات المطاعم محفوظة في أدمغتهن المليئة بأسماء تلك « الوجبات الأجنبية « وقوائمها طويلة وعريضة .. وأخطارها على صحة البشر لا تخفى على أحد . ويبدو أن « مازاد الطين بلة « أمران يتمحور الأول في مئات المحطات الفضائية التي لاتكاد الواحدة منها تخلو من برنامج يومي مخصص لاعداد أشهى الأطباق اليابانية والهندية والصينية والتركية وغيرها من أطباق بلدان العالم شرقية أو غربية .. بل ان احدى الفضائيات تبث على مدار الساعة الشهير من تلك الأطباق وغير الشهير .. وبرامج تلك الفضائية وغيرها موجهة لشبابنا على وجه الخصوص .. أما الأمر الآخر فيتمثل في مئات المصنفات من كتب الطبخ التي تحولت الى تجارة رابحة في مكتباتنا وأصبح الانصراف ربما « الى غير رجعة « عن الكتب الثقافية والأدبية واضحا كوضوح أشعة الشمس في رابعة النهار الى درجة انني أتحسر اليوم على تلك الأوقات الثمينة التي صرفتها في انشاء القصائد والقصص القصيرة والمقالات الأدبية والنقدية ولو كنت صرفتها في تأليف كتب الطبخ لكان ذلك أنفع وأجدى .. وأظن أن لسان حال أصحاب تلك الفضائيات الخاصة والمكتبات يقول ان الشريحة الكبرى من الشباب لا هم لها الا اشباع بطونها والتهام المزيد من تلك الأطباق ذات المسميات الغريبة والأذواق العجيبة .. وواقع الحال يشهد أن ما يجري بين ظهرانينا هو أشبه ما يكون بظاهــرة جديــدة مازالت ساريــة المفعــول بين صفوف شبابنا « الا من رحم ربي « . mhsuwaigh98@hotmail.com