محمد الحرز
ليس هناك أجمل من البوح . جرب أن تبوح !! ولكن بماذا؟ حسنا عليك أولاً أن تعرف معنى البوح حتى يتسنى لك أن تفتح الباب على هذه المفردة من جميع الجهات والأطراف, ودائما التساؤل يظل ملتصقا بالرغبة في الكيفية التي يمكن أن ندلف إليها من هذا الباب؟ هذه الكيفية لا تعطيك نفسها بسهولة ولا بيسر. هناك ما يشبه الطقوس والمعتقدات عليك أن تتدرب عليها كثيرا, والمفارقة التي تصدم هنا هو أننا في مجتمع لا يجيد البوح عن كل شيء. لا بد أن تسألوني هنا وكيف تقرر ذلك وأنت حتى لم تخبرنا عن المعنى الذي تقصده من هذه اللفظة( البوح) ؟ لا أريد هنا الاستعانة بالقواميس اللغوية وما قاله علماء اللغة عنها وما دلالتها اصطلاحا في الاجتماع أو التاريخ. ما يشغلني منها على وجه الخصوص هو دلالتها النفسية وعلاقة ذلك بالبعد الاجتماعي والثقافي والسياسي والإبداعي للفرد .البوح مفردة مخاتلة لا تمتاز بالليونة على غير مظهرها , الاقتراب منها هو الاقتراب من بئر عميقة لا تعرف لها قرار.هي من الكلمات القلائل التي باطنها لا ينم عن ظاهرها. ثمة وشائج عديدة بين عناصر الكلمة الواحدة , هذه الكلمة ليست في شيء من هذا الامتياز.مظهرها المخادع ينم سهولة التناول والاستخدام , وحينما تسرع إلى هذه الكلمة بكل جوارحك, ماذا يفاجئك؟ أو ماذا تتوقع؟ ترى إلى نفسك وكأنك تائه وسط غابة لا تدرك الخطر المحدق بك من جميع الجهات.أليس مثل هذا الشعور يراودك غالبا ؟! ربما يهجم عليك وأنت لا تعي معناه أو تفكر فيه , أو تعطيه سببا وجيها تشرح من خلاله لماذا هجم عليك مثل هذا الشعور فجأة وبدون مقدمات.بعض الناس تداهمهم الأفكار سوى أنها تعبر فضاء أذهانهم دون أن تحظى بالكلمات التي تثبتها مثل مقبض بين فكين حتى تستطيع لا حقا أن تستغرق تفكيرها بالكامل , وتصبح بالتالي أحد أهم الأفكار المؤثرة سواء في الفرد أو المجتمع إذا سرت فيه بقوة مطردة.ما يحدث لهم هو أن هذه الأفكار تذوب وتتلاشى من أذهانهم بسبب دوامة الحياة وبسبب افتقارهم إلى روح الإرادة الفنية أي تفتح الحواس على الرغبة.أن اصطياد الأفكار ليس من السهولة بمكان لذلك مثل هؤلاء يمتازون بضعف المخيلة وشبه انطفاء وهجها. نحن نحتاج في حياتنا اليومية إلى تدريب قاس حتى تبقى مثل هذه المخيلة يقظة متنبهة وحالمة في نفس الوقت.هناك بعض الكلمات التي تساعد كثيرا على مثل هذا التدريب. وليست مفردة ( البوح) سوى إحداها.ترد في التراث العربي بعض الإشارات ذات المغزى, والتي لها دلالة في هذا الإطار, من قبيل عندما يتعب الشخص من الأسرار التي يحملها دائما ما يشار عليه بأن يبوح بها إلى بئر مهجورة , أو حفرة عميقة. ما دلالة هذا الفعل ؟ ربما الشعور بالارتياح أو لنقل التنفيس عن ثقل الأسرار على النفس.ولكن قد يبدو هذا الفعل من الخصائص الكبرى التي تمتاز بها الثقافة العربية من جهة كونها اعتادت كثيرا وتمرست على كتم الأسرار بفعل سبب يتصل بالنظرة إلى الأسرار وخصوصا الأسرار ذات العلاقة بالمعرفة اللاهوتية , وهي نظرة ترى إلى هذه الأسرار بوصفها كنزا ثمينا ينبغي الحفاظ عليه, والحرص على عدم ضياعه. هل أنا هنا حملت هذه المفردة أكثر مما تحتمل ؟ وهل هذه مجرد تداعيات فرضتها دلالة هذه المفردة ؟ قد يبدو ذلك من جهة, ولكن ما أنا متأكد منه في هذا المقام , وبالنظر إلى أكثر أدبيات التراث, وخصوصا ما يتعلق منها بالحكايات الشعبية والأساطير والمعتقدات والطقوس , هو أنه في قلب هذه الأدبيات نجد الكثير من الإشارات التي تؤكد على فكرة جديرة بالتأمل والدراسة والتحليل ألا وهي : مجرد البوح يعني القتل على المستوى الجسدي وأيضا على المستوى الرمزي. والشواهد كثيرة على ذلك. أليست هذه إحدى العلل والأمراض التي عشعشت في ثقافتنا والتي ورثناها من «السلف الصالح».Mohmed_z@hotmail.com