حسن السبع
كانت الإنجازات العلمية والتقنية الكبيرة التي ينعم بها العالم الحديث ثمرة مبادرات، أو بتعبير أدق، مغامرات أفراد عرضوا أنفسهم ذات يوم للأذى والعزل والتهميش في أحسن الأحوال، وللجود بالنفس في أقساها. فلا توجد وجبة مجانية، كما يقال. وقد دفع بعض أولئك الرواد ثمن الوجبة، وكان ثمنها باهظا أحيانا. لكنهم قد ساهموا في صياغة العالم الحديث، وسيبقى تأثيرهم على المدى البعيد. تظل بعض المفاهيم العلمية أو الفكرية راكدة ركود بحيرة آسنة، أو يراد لها أن تكون كذلك، فيتهيأ لها مغامر جريء مخلص لفكرته أقصى الإخلاص، يرمي حجرا في سكون البحيرة، فيكون أول من علق جرس الفكرة الجديدة، أو جرس الحقيقة. قد تكون، في البداية، حقيقة خاصة، أو خطوة أولى في رحلة الألف ميل نحو إنجاز علمي أو فكري كبير. لكنها تصبح بمرور الأيام والتجارب المتلاحقة حقيقة ثابتة.لم تكن (يوريكا) أرخميدس أول ولا آخر يوريكا في التاريخ. لكن أرخميدس لم يقتل بسبب اكتشافه ذاك، فلم يكن قانون اختبار نقاء الذهب، أو قانون الطفو، أو تجاربه في علم الرياضيات تزعج أحدا، وإنما قتل بسبب حمق وانفعال جندي روماني. ولو ترك أرخميدس دوائره على الرمل وذهب مع الجندي حيث أراد اصطحابه لما كانت تلك النهاية التراجيدية. وهي نهاية تختلف عن نهاية غاليليو صاحب عبارة «ومع ذلك.. فإنها تدور»! دفع غاليليو ثمن عبارته تلك غاليا، لأنها تتعارض مع «ثابت» من ثوابت ذلك العصر. فأين هي المغامرة في هذا؟ المغامرة تبدأ «عندما تعارض ظلاما يعتقد الناس أنه نور» كما يعبر أحد المفكرين. فالناس أعداء ما جهلوا، وعندما يتعارض الاكتشاف العلمي التجريبي مع مسلَّمات لا تخضع لمنطق علمي، أو تتعارض الأفكار الجديدة مع مفاهيم وقيم مطلقة، تبدأ متاعب أولئك الذين يعلقون الجرس. قائمة أولئك الذين علقوا جرس الفكرة الجريئة تطول، وهي تمتد من الفيلسوف اليوناني سقراط إلى الانجليزي برتراند راسل الذي يعتقد أنه شبيه سقراط في العصر الحديث، وذلك نظرا لتشابه التهم التي وجهت إليهما. ربما أعلمُ فأذَر ! تنقل لنا الفضائيات العربية هذه السنوات بعض البرامج التلفزيونية المترجمة، ومن بينها برامج تعالج قضايا أو مشاكل اجتماعية شائكة، ومن أشهر تلك البرامج: دكتور فيل، وأوبرا وينفري, وتايرا شو. في تلك البرامج من الفضفضة والبوح الشيء الكثير. وهي برامج «تنقصها» لغة المسايرة التي تختزن نسبة عالية من المسكوت عنه، وتدع القضايا معلقة. وهي بعيدة، كذلك، عن اللغة الهامسة أو لغة الأبواب الموصدة، لأنها تبث ليشاهدها ملايين الناس في كل أنحاء العالم. وفوق ذلك كله، فهي بعيدة عن الخطاب الدائري الذي يقول كل شيء، ولا يقول شيئا على الإطلاق. فهل يعتبر البوح والمكاشفة سمة من سمات المجتمع الصحي؟ وأيهما أجدى تلميع الصورة الاجتماعية والحفاظ عليها من الاهتزاز أم تشخيص المشاكل بصوت عال؟ وهل يوجد علاج دون تشخيص، أو يوجد تشخيص دون مكاشفة؟. هذه الأسئلة وغيرها تقودنا إلى المقارنة بين مديح «الصوت» ومديح «الصمت». لمديح الصمت ما يبرره أحيانا، أي أن له أسبابه أو علله التي يمكن الدفاع عنها دون أي مأخذ أخلاقي. فبعض الصمت ناتج عن حرص المرء على عدم تبديد الوقت في مسائل لا تؤدي إلى نتائج ذات قيمة، وهذه قضية أخرى على أية حال. لكن الصوت هو النافذة التي نطل منها على الآخر، ويطل منها الآخر علينا. بين هذا المديح ومديح الصمت مسافة شاسعة، وهي جديرة بالتأمل. فكثير ممن مدحوا الصمت، ووزنوه بميزان الذهب كان دافعهم إلى ذلك الحذر. على طريقة أكثم بن صيفي القائلة: «ربما أعلم فأذر»! وكثير منا يشارك أكثم بن صيفي هذه «الحكمة الذهبية» أي ذلك الحجا الذي يمنع صاحبه من تعليق أي جرس في أي ظرف من الظروف. لكن ذلك لم يكن خيار أولئك المغامرين الذين أبوا إلا أن يعلقوا الجرس.hsn_saba@hotmail.com