محمد العلي

محمد العلي

«كثيرا ما تساءلت: لماذا يغلي في دمي حب الهرطقة؟ فيوم كنت قومي النزعة، كنت من أوائل من أدرك أن القومية العربية إن تكن فاعلة ثقافيًا فهي عاجزة سياسيًا، وأن الدولة القطرية هي بالتالي واقعة نهائية.ويوم صرت ماركسيًا تعاملت مع الهامش الماركسي أكثر مما مع المتن، ومع نصوص ماركس ولنين المحظورة أكثر بكثير مما تعاملت مع نصوصهما الرسمية.ويوم انتهيت إلى أن أصير ديمقراطيًا لم أر في الديمقراطية أيدلوجيا خلاصية نظير ما كان فعل بعقيدتي الوحدة العربية والاشتراكية، ولم أضع أي رهان من طبيعة عجائبية على تحوّل ديمقراطي يأتي عن طريق صندوق الاقتراع إذا لم يقترن بتحوّل عقلي في صندوق جمجمة الرأس .. رأس النخب، كما رأس الجماهير.لماذا حاجتي إلى الهرطقة؟ لست أدري، ولعلي واجد بعض التفسير في الواقعة التالية، التي قادتني إلى أول – وربما أكبر – هرطقة في حياتي.كنت في مراهقتي متدينا إلى حد وسواسي، وكنت أواظب على حضور دروس التعليم الديني.. ذات مرة أراد الكاهن أن يشرح لنا ما الأبدية وما العذاب الأبدي في جهنم لمن يموت وهو في حالة الخطيئة، قال: لقد بتم الآن تعلمون ما حجم الكرة الأرضية، تصوروا أن هناك كرة من النحاس تفوق حجمًا مليون مرة الكرة الأرضية.. وتصوروا أن هناك طائرًا يمرّ بها فيمسها بجناحه مرة كل مليون سنة، فكم يحتاج هذا الطائر إلى ملايين وملايين السنين كيما يذيب بضربات جناحه تلك الكرة النحاسية؟إن كرة النحاس ستذوب في نهاية الأمر، ولكن عذاباتكم في نار جهنم لن تزول .. ذلك أنها أبدية.ليلتئذ لم أنم وانتابتني حمى لم أصحُ منها إلا وقد نضوت من تلافيف دماغي إيماني السابق وصرت متمردا على كل مؤسسة وعلى كل تصوّر ديني للدنيا والآخرة».جورج طرابيشي/هرطقات/2/ص 7 و8.أولا: حذفت من العنوان المعتاد كلمة (لك) لأني في الواقع رأيت في عنوان (قرأت لك) استخفافا ضمنيا باطلاع القارئ.. ورأيت أن فيه لونا من الاعتداء الضمني كذلك على فهمه.. ورأيت أنه ليس لي حق القراءة لأحد ما لم أكن مخولا منه .. وهذا مستحيل لأني أتوجه إلى قارئ غير محدد.. لذا من الآن فصاعدا سوف أجعل العنوان (قرأت) فقط.ثانيا:أنا من قراء جورج طرابيشي، ومما يشدني إليه موضوعيته الصارمة وإطلاعه المترامي الأطراف.. وأظن أن ما قاله أعلاه لا يحتاج إلى إيضاح أو إضافة.. فالذين يفسرون الأحلام على الفضائيات وأمثالهم ليسوا بعيدين عن هذا الكاهن الهرطقي.