محمد العلي

محمد العلي

غدا يوم عيد.. وحين تلقي نظرة على مختلف الزوايا الصحفية تجد (الحضور الحزين) لعمنا المتنبي في أجواء العيد.. وعلى الرغم من أني كتبت عن هذا الموضوع إلا انه لايزال يغريني بكشفه أكثر فأكثر.المتنبي يحضر في حالات كثيرة، حالات إنسانية، عبر عنها بشكل من الوضوح الموجع، في حين لم يلتفت إلى مثلها اغلب من يشار إليهم بالبنان من الشعراء، ومن أهم تلك الحالات (الشاردة) حالة العيد، الذي نزع عنه إغراءه الطفولي، وخاطبه وجها لوجه عن كيفية عودته:عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر فيك تجديدالممض في هذا الموضوع انه منذ نشأنا حتى الآن ونحن نسمع هذا البيت يتكرر على كل الألسن وفي كل عيد.. وهنا لابد من السؤال: لماذا هذا الحزن المتكرر؟ لماذا لا يستطيع أي عيد ان يحل حلول الندا على الوجوه بدلا من الاثواب؟لقد عبر المتنبي عن مؤرقات عصره.. عبر عن التمزق العربي وتشتته وتحكم الغرباء فيه «ولا يفلح عرب ملوكهم عجم» وعبر عن الطغيان.. فحتى سيف الدولة الذي كان معجبا به ومدحه بقوله:اذا كان بعض الناس سيفا لدولة ففي الناس بوقات لها وطبولفمن عبر عنهم (بالطبول) وهم الطغاة لا يختلف سيف الدولة عنهم فقد كان طاغية متعجرفا يأكل وعلى رأسه خادم يحمل الملاعق لأنه لا يأكل بالملعقة مرتين.هذا الوضع الذي عاشه المتنبي هل تبدل الآن رغم قطيع من القرون تفصل بيننا وبينه؟ لا.. ابدا.. لم يتبدل شيء: فالتمزق ازداد توسعا والطغاة زادوا عددا وتجبرا.. أما تحكم الغرباء والطامعين والسماسرة.. فهذا ما ينظره الأعمى حسب قول المتنبي نفسه.لماذا يتوقف الزمن عندنا عن الجريان؟(انج سعد فقد هلك سعيد)هذه (الفوهة) اللغوية الموجهة إلى أعناقنا وإراداتنا، هي التي جذرت فينا مرض (اللامبالاة) لا فقط بالنسبة للأوضاع الاجتماعية المحدقة بنا بل بالنسبة إلى المعرفة ذاتها.الأوضاع مهما تردت حتى لو اصابت الفرد بالإعاقة الإرادية.. تقابل عندنا بهذه اللامبالاة التي زرعها الخوف التاريخي المتجدد.. أما المعرفة فماذا نصنع بتنميتها ما دمنا نملك اليقين بالحقيقة.اذن المتنبي حاضر لان الزمن الذي نعيشه لا يختلف عن زمنه اجتماعيا.. بل ان زمننا اشد بؤسا من زمنه.. ففي زمنه لم تكن هناك إسرائيل اما من ناحية المعرفة.. فزمننا ليس أكثر حرية معرفية من زمنه، بل كانت الحرية المعرفية آنذاك اضعاف ما هي عندنا.واذن لابد من التكرار.