محمد الحرز
محاولة الجمع بين أسلوب الكتابة الصحفية على شكل مقالات أسبوعية وبين أسلوب الكتابة البحثية على شكل رسائل علمية أكاديمية, هي محاولة دائما ما تبوء بالفشل عند الكثير من المجربين من الكتاب , إلا ما ندر من الكتاب المتميزين الذين استطاعوا أن يجمعوا بين الشكلين ببراعة, ويرتفعوا بالمقالة الصحفية إلى مستوى من الأسلوب الكتابي يتسم بعمق الفكرة وكثافتها الدلالية بالقدر الذي تصل فيه إلى المتلقي بسهولة لغوية باهرة. وهناك أسماء فكرية أبرزهم عبد السلام بن عبد العالي وادونيس وجورج طرابيشي ومحمد العلي ومحمد الحداد, وغيرهم من الأسماء التي تكتب في مجالات أخرى غير المجال الفكري.لكن الغريب أننا لا نميز بين الأسلوبين حين يتعلق الأمر بالصفة التي نطلقها على هذا الكاتب أو ذاك,فتارة نطلق صفة باحث على هذا الشخص بينما هو لا تتجاوز كتاباته المقالة الصحفية والعكس صحيح, وتارة أخرى نجمع الصفتين في شخص واحد كأنْ نقول : الكاتب والباحث فلان ,من غير أن نفرق بينهما أو حتى نعطي تبريرا قائما على المعقولية والنظر والفرز.هذه بالتأكيد إحدى الآفات التي تخترق ساحتنا الثقافية من العمق, حيث تعطي الدليل تلو الدليل على هشاشة التفكير الذي يطال مفهوم الكتابة والوظيفة المناط بها في غالبية أذهان المجتمع. هذه الهشاشة تتجلى في الكثير من حياتنا اليومية التي لها علاقة بالتربية والتعليم والأخلاق, خذ على سبيل المثال التقليد الذي يُمارس اجتماعيا وأيضا في أوساط المثقفين حينما يتم إطلاق صفة شاعر على أي شخص يكتب الشعر سواء كان في بداية مشواره الشعري أو كان صاحب خبرة كبيرة وناضجا في كتابته الشعرية. حيث دفعة واحدة تجد نفسك شاعرا عند أبناء مجتمعك, وشاعرا كبيرا أيضا وموهبة عظيمة دون مراعاة بين خبرة التجربة وعراقتها وبين صغرها وقلة خبرتها. وفي هذا الصدد يذكر علي الوردي في إحدى كتبه ما معناه أن المجتمع هو من يحدد مسار الفرد وتوجهاته سواء على مستوى الميول الإبداعية أو المعيشية أو الاجتماعية, وبالتالي هو الذي يصنع منه شاعرا كبيرا أو مفكرا كبيرا أو عالما إلى آخره من المواهب والطاقات التي تتفجر من داخل الإنسان بفضل الروافع الاجتماعية التي تغذي مثل هذه الطاقات والمواهب. فحينما يطلق عليك المجتمع شاعرا وأنت في أول الطريق فأنت تسعى جاهدا كطموح مستقبلي أن تتوافق هذه الصفة وتنطبق على عملك الإبداعي. أي أن صورة الشاعر التي تحملها ذهنية المجتمع عنك هي الحافز الكبير الذي يجعلك أن تكون شاعرا بإصرار ورغبة بل يتحول إلى هاجس كبير يحتل مساحة كبيرة في حياتك.لكن وهنا مكمن العلة التي نعانيها وهي أن الكثير من الشعراء نجدهم بعد فترة من العطاء يختفون تماما عن الساحة. والسبب يعود في مجمله إلى فقدان التوازن عند الفرد بين الرغبة في تحقيق صورة الشاعر التي تمثلها المجتمع عنه , وبين ميوله النفسية والروحية العميقة التي لا تستطيع ـ في بعض الحالات - صور المجتمع وتمثلاتها عن الفرد أن تكسر حدة انعكاساتها على حياته. ربما هذا التفسير يستبعد الظروف الاجتماعية والثقافية والدينية التي تحيط بالفرد. ولكن مهما كانت أهمية هذه الظروف في تشكيل الفرد إبداعيا غير أن فقدان مثل هذا التوازن هو من أهم العوامل الرئيسة في عدم تواصل التجارب وتراكماتها في الحياة , وهذا الأمر ينسحب على جميع الأنواع الإبداعية وأشكال الكتابة الأخرى. وهذا يقودنا إلى سؤال مهم هو : ما السبب أصلا في فقدان مثل هذا التوازن بينما في مجتمعات أخرى لا توجد مثل هذه الظاهرة كمصر وبيروت وسوريا..ألخ؟ الإجابة على السؤال تضعنا مباشرة إزاء علاقة الإبداع والفكر بمفهوم الكتابة بوصفها ذات وظيفة محددة , وذات تصور معين ,سواء في ذهن المبدع الفرد أو ذهنية المجتمع.إن الكشف عن هذه العلاقة الملتبسة هي التي في ظني تجيب على الكثير من التساؤلات أولها كما قلنا ظاهرة تفشي انقطاع التجارب من مواصلة حياتها. دائما كانت الصورة المثلى للكتابة في ذهنية المجتمع هي وسيلة تعبير فقط , لم ترق إلى هوية وجودية للفرد والمجتمع. لذلك نجد من السهولة إطلاق الصفات الكتابية والانتقال من صفة إلى أخرى دون رقيب أو حسيب ثقافي ومعرفي على مثل هذا التقليد.Mohmed_z@hotmail.com