حسن السبع

حسن السبع

قبل أيام تناقلت الصحف خبرًا بثته (اليونايتد برس) عن عريف من مشاة البحرية الملكية البريطانية يدعى جاستن توماس قرر بيع كل الأوسمة التي حصل عليها نظير خدمته في العراق وأفغانستان وأيرلندا الشمالية، باعتبارها «لا تشبع جائعا، ولا تؤوي مشردا»! وللأوسمة والنياشين والدروع رمزيتها في عالم حافل بالرموز.. فهي شكل من أشكال الحوافز المعنوية، يهدف مانحوها إلى بث روح التنافس، وتحقيق مزيد من التميز والإبداع .. وعادة ما تمنح الأوسمة والنياشين والدروع تكريما لنشاط أو عمل مميز، وهو تقليد موغل في القدم، فقد كان محاربو اليونان والرومان ومثلهم الرياضيون يتوجون، آنذاك، بأكاليل من ورق الغار تقديرا لبطولاتهم. أما الرياضيون في هذه الأيام فيحصلون على كؤوس وميداليات في نهاية كل بطولة.. كما أنه لا تنتهي فعالية ثقافية دون أن يحصل الضيف المشارك على درع وخطاب شكر من قبل الجهة المضيفة.. لكن ليس بأكاليل ورق الغار وحدها يحيا المتميزون والمبدعون، ولذلك ابتدعت الجوائز المالية. ويمكننا أن نتصور، ولو على سبيل الدعابة، أن أبا الطيب المتنبي، وبعد أن فرغ من إلقاء قصيدته الدالية «لكلّ امرئٍ من دهره ما تعودا .. وعادات سيف الدولة الضرب في العدا»، أمر سيف الدولة الحاجب أن يتوّج المتنبي بإكليل من ورق الغار وكفى بذلك حافزا .. تصور وقع ذلك الحافز المعنوي الحافّ في نفس أبي الطيب، وقد كان قبل قليل يرسل إشارات شعرية تستدرج العطاء بقوله: «هو البحر غصْ فيه إذا كان ساكناً.. على الدُّر واحذره إذا كان مزبدا».. ولو حدث ذلك حقا، لما توانى أبو الطيب عن العودة إلى مهنة أبيه، وانصرف يسقي الناس الماء في محلة الكوفة.. وهل أفسد المودةَ بين المتنبي وكافور الإخشيدي غير قلة العطاء التي أدت في نهاية المطاف إلى تفجير تلك القصيدة/ القنبلة: «عيد بأية حال عدت يا عيد.. بما مضى أم بأمر فيك تجديد»؟ وهل أحرق أبو حيان التوحيدي كتبه إلا احتجاجا على حياة الكفاف التي عاشها، وانتقاما ممن جحدوا علمه وأدبه؟ لكن لنترك عصر المتنبي والتوحيدي وغيرهما، حيث كانت علاقة المثقفين بالسلطة علاقة أخذ وعطاء.. وحيث كان الكتَّاب والشعراء يتكسبون بنتاج أذهانهم، ولنعد إلى حديث الأوسمة والدروع التي لا تغني ولا تسمن من جوع. أعرف صديقا مُنح في ليلة واحدة أكثر من خمس وعشرين دِرعا من مختلف الأشكال والأحجام (وأخشى أن يظن القارئ أن هذه مبالغة مني، لكن هذه هي الحقيقة). وقد مُنحتْ له كل تلك الدروع تقديرا لجهده الكبير في إنجاز بحث قيم يجمع بين الأدب والتاريخ، وكان، ليلتها، بحاجة إلى سيارة أخرى غير سيارته ليتمكن من نقل تلك الجوائز «المعنوية» إلى منزله. سألته بعد ذلك بأيام: هل وجدت مساحة كافية في البيت لعرض كل تلك الدروع؟ فضحك قائلا: «أحتاج إلى شراء دولاب زجاجي آخر لعرض الفائض منها»! وأضاف: «اقترحت على بعض المؤسسات المانحة استبدال الدروع بهدايا رمزية يمكن لمن يتم تكريمه مستقبلا الاستفادة منها». وقد خطر على بالي أثناء حديثي معه السؤال التالي: ما فائدة درع لشاعر صعلوك من «ماركة» عبد الحميد الديب، شاعر بينه وبين الشنفرى قاسم مشترك هو الجوع. فكلاهما يصدق عليه البيت القائل: «أديم مطالَ الجوع حتى أميته.. وأضرب عنه الذكرَ صفحا فأذهلُ»! نعود إلى موضوع عريف البحرية البريطانية جاستن توماس. فقد قرر أن يعرض في المزاد العلني وسام الشجاعة (وثمنه 97 ألف دولار) وقد حصل عليه تقديرا لإنقاذه عشرين جنديا تعرضوا لكمين في العراق. وسيشتري بقيمته بيتا يؤوي زوجته وطفلتيه. برر توماس تصرفه ذلك بقوله: «سأحتفظ بالوسام لو كنت أعيش في عالم مثالي، ولو أن الجنود البريطانيين يحصلون على رواتب كافية لما وجدت نفسي في هذا الوضع»! وللفنان سلفادور دالي عبارة تؤكد ما ذهب إليه ذلك العريف. يقول دالي: «أسهل الطرق لعدم تقديم تنازلات للذهب هو أن تمتلكه»!حديث الأوسمة والدروع يطول، لكن المساحة المتاحة لا تحتمل أية إضافة، ولأن هذا هو المقال الأخير في شهر رمضان الكريم، فليس لدي ما أضيفه سوى أن أقول للقراء الكرام: كل عام وأنتم بخير.hsn_saba@hotmail.com