محمد العلي
حين تقرأ كلمة الأهرام سيركض ذهنك فورا إلى مصر المحروسة (ولا أدري من أين) غير أنني لا أقصد أهرام مصر ولا المكسيك .. أقصد ببساطة أهرام من يسمونهم الفلاسفة والمبدعين.كل فيلسوف يسمى (فيلسوفا) باعتراف كاريزمي .. يبني له هرمًا موغلا في العلو, وكل شاعر فريد يبني له هرما جماليا بالغ الإضاءة .. بل وكل طاغية يبني له هرما ما.دعنا من تقييم هذه الأهرام ودعنا ننظر فقط إلى أعمارها.. إلى امتدادها في التاريخ .. إلى عنادها في مصارعة الزمن.كل الأهرام الفلسفية تهدمت حتى هرم أفلاطون وأرسطو وديكارت وهيجل وابن سينا وابن رشد .. اعرف انه ثقيل عليك ان تسمع صوت هرم ابن رشد, وهو يتهدم, ولكن هذا هو الواقع .. لقد انتهى ابن رشد في حين أننا لم نصل إلى أفقه حتى الآن.وكل الأهرام الشعرية لم يبق إلا صدى انقضاضها وتهدمها واحدا بعد آخر.. فلم يعد أحد اليوم إلا من رحم ربي يتذوق لغة امرئ القيس وشروط ابن قتيبة للقصيدة الشعرية.ماذا بقي إذًا؟بقيت في الساحة الفكرية والإبداعية أهرام جديدة تبنى كل يوم. ولكننا مع الأسف لا................لماذا يا ترى؟لأننا مشغولون بحراسة الأهرام الاجتماعية، تلك التي بناها أجدادنا, ودون أن نعرف كيف بنوها, انشغلنا بحراستها حتى من الأنظار المتربصة بنا، والتي تشجعنا في قرارة نفسها على هذه الحراسة.المضحك أن هذه الاهرام أهرام وهمية .. هكذا يقول الزمن الذي نحن فيه.. إننا – مثلا – في شغل متواصل بحراسة هرم (الجماعة) كل فرد لابد أن يكون قابعا في ظل هذا الهرم, ومن يخرج عن ذلك فعقوبته الرجم.الزمن الآن يعترف بالفردية التي من خلالها تتحقق الجماعية.. وهذا الاعتراف بالفردية جدّد القيم التي تخص الفرد.. فرحنا نسمع دعوات الحرية وحقوق الإنسان رجلا وامرأة وطفلا.. في حين أن هذه الحقول لم تكن معروفة أصلا من قبل.إن الحفاظ على الجماعية ضرورة كبرى للحياة الاجتماعية المستقرة.. ولكن هذه الجماعية لا تتحقق إلا عبر الاعتراف بالفرد وتطبيق العدالة وبسط القانون وفتح الطريق أمام تكافؤ الفرص.أليس كذلك؟