محمد الحرز
هناك أهمية قصوى لا يمكن إغفالها لنا كباحثين في الفكر والثقافة والمعرفة, هذه الأهمية تكمن في الجذور التاريخية التي تتأسس فوقها معارفنا بشكل عام حيث طريق تلمس مثل هذه الجذور لا يتم إلا عبر تأمل وتحليل المسائل الإشكالية التي تطرحها نظريات المعرفة (أي تلك المسائل التي نكشف من خلالها عن مدى قرب أو بُعد المعارف التي ننتجها من الواقع والتاريخ). لكن السؤال هو كيف يتم ذلك؟ في تصوري يتم في تفعيل الدور المهم الذي يقوم به الوعي النقدي الجذري تجاه معارفنا سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو المؤسسات. هذا الدور وظيفته الكشف عن وهم بعض المفاهيم المتصلة بهذا الإنتاج المعرفي. خصوصاً مفهوم الحقيقة في علاقته بالمعرفة الدينية. فالحداثة الغربية تخلصت من هذا المفهوم تحت وطأة التأثير الذي مارسته نظريات المعرفة في الفلسفة والمعارف العلمية ومن ثم على التنوير الأوروبي منذ القرن الثامن عشر. ولكن تأثير هذا المفهوم وملامحه, ظل حاضراً بقوة في بعض المفاهيم والنظريات الفكرية التي طبعت هذه الحداثة. كمفهوم المركزية الغربية, والنظرية الاستعمارية والكولونيالية, ونظرية (غوبينو) في التفوق العرقي وآخرين غيرهم. ولكن بفعل الوعي النقدي الجذري تم التخلص من بعضها في تيارات ما بعد الحداثة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب. أما الكشف عن هذه الأوهام فيما يتصل بحياتنا الثقافية العربية فهو الأولى والأهم. وقبل أن أتعرض إلى ذكر هذه الأوهام دعوني أوضح لكم لماذا استخدمت مفردة الثقافة فيما يخصنا كعرب ومفردة المعرفة فيما يخص الغرب؟ هنا التمييز يكمن أساساً في كون الفلسفة الغربية استطاعت عبر تاريخها التراكمي الطويل أن تنتج المنهجيات والطرائق في مجمل الدراسات التي ترتبط –مثلاً- بعلم الاقتصاد أو التاريخ أو علم النفس أو اللسانيات أو الآداب إلى آخره من الحقول المتعددة للعلوم الإنسانية والطبيعة. وذلك كله من خلال الوعي النقدي الجذري الذي يتكئ في جانب كبير منه على نظرية المعرفة وفق ما بيناه سابقاً. أما الفلسفة العربية فقد ظلت حبيسة وعيها الابيستيمولوجي بسبب عوامل عديدة لا يسع المجال هنا لذكرها. وبسبب انقطاع الفلسفة عن الحياة الثقافية وبالتالي ضمور وعيها النقدي ظهرت على السطح جملة من الأوهام – كما ذكرنا سابقاً- في خطابنا الثقافي العملي والنظري, من أهمها وهم الحقيقة المطلقة, وهم تقديس الفكرة في حد ذاتها, وهم تقديس الشخوص. لذلك توقف المعرفة بالمفهوم الابيستيمولوجي هنا واستمراره هناك هو الذي يدعونا إلى التمييز بين المفردتين. إذن إحدى أهم الوسائل الناجمة في تفكيك هذه الأوهام هي استيعاب المناهج المتبعة في كل تخصص معرفي واستيعاب الإشكاليات الناتجة من جراء هذا التطبيق. ومن ثم توظيفها في واقعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي والفكري بشكل عام. ولكن هل يمكن ذلك؟ يبدو لي ذلك ممكناً إذا استطعنا أن نميز بين الأوهام التي ارتبطت بالفلسفة الغربية وبين تلك الأوهام التي ارتبطت بالثقافة العربية. الأولى من طبيعة فلسفية بحيث استطاعت الفلسفة نفسها تفكيكها تحت ما يسمى في التقليد الغربي بتفكيك الميتافيزيقيا- من أفلاطون إلى هيغل- وذلك بفضل تطور نظريات المعرفة. أما الأخرى فهي ليست من طبيعة فلسفية كما هي عند الغرب, وإنما هي متغلغلة في مظاهر الحياة اليومية التي نعيشها في الثقافة والمجتمع والأسرة والمدرسة والمؤسسة. ربما هذا النوع من التمييز يحتاج للكشف عنه إلى مراكز بحوث تحتضنها الجامعات والمؤسسات الأكاديمية المتنوعة على اعتبار أنها تخلق حالة من المناخ الفكري الذي تنتج عنه بالتأكيد معرفة موضوعية بالواقع العربي وتاريخيه. والسبب يكمن في كون أن الحياة التي نعيشها لا تساعد الفرد وهو بعيد عن المؤسسات ذات الصلة أن يخلق مثل هذه المناخات الفكرية. فالجدل بين الفرد الباحث والمؤسسة ينبغي أن يأخذ دوره ومهما اجتهد الباحث في بحثه يبقى بعزلة عن المجتمع إذا لم تتفاعل معه المؤسسة وتساهم في نشر أفكاره وآرائه رغم التباين واختلاف التوجهات في بعض الأحيان.Mohmed_z@hotmail.com