حسن السبع

حسن السبع

عادة ما تنشط حمَّى الإعلانات وبرامج الكاميرات الخفية والمسلسلات في شهر رمضان .. ويمكن للمشاهد المهتم بمتابعة مثل هذه البرامج التليفزيونية أن يتمثل بقول الشاعر «تكاثرت الظباء على خراشٍ، فما يدري خراشٌ ما يصيد» بعض تلك المسلسلات غارق في الدموع، وبعضها يستجدي الضحك فلا يجده إلا بشق الأنفس، وآخر يحاول بعث الماضي، أو استعادة التاريخ، وهو محور هذه الكتابة .. لكن قبل ذلك ينبغي التمييز بين «التاريخ» باعتباره جملة الأحداث والأحوال الماضية و«التأريخ» باعتباره تسجيلا لتلك الأحداث. وإذا كانت استعادة الأحداث الماضية والإفادة منها مهمة الرواية التاريخية، فما طبيعة تلك المهمة؟ وهل المقصود من إحياء الماضي هو تقديم التاريخ، صوتا وصورة، بطريقة مشابهة لما هو مدوّن في المناهج المدرسية، فتكون غاية العمل الفني تعليمية أو توثيقية؟ ومتى ينتهي دور المؤرخ ليبدأ دور كاتب الرواية التاريخية؟ وما مساحة الحرية الممنوحة للكاتب؟ وهل تقتصر مهمته على تسجيل الوقائع والأحداث كما يراها هذا المؤرخ أو ذاك، ولكل منهما حقيقته الخاصة؟ وهل يتم بعث الماضي بكل تفاصيله، أي بزواياه المضيئة والمعتمة، أم إعادة تدوينه بطريقة انتقائية تناسب بعض القيم والتوجّهات، وعلى طريقة «تهذيب وتشذيب» بعض كتب التراث.. يبدو لي أن أسئلة كهذه وغيرها تشغل بال أولئك الذين حملوا هموم الرواية التاريخية، وكان هاجسهم الأول خدمة القيمة الجمالية.. فهل تخطر مثل هذه الأسئلة على بال منتجي ومخرجي المسلسلات التاريخية التي تزدحم بها الفضائيات العربية خلال شهر رمضان؟ إذا تجاوزنا الرواية المعنية بتسجيل الأحداث والوقائع فحسب، وعلى طريقة جورجي زيدان ونظرائه من كتاب الرواية التاريخية، فإن الرواية التاريخية الحديثة هي مزيج من التاريخ والأدب.. وفي مثل هذه الحال، قد يوظف الروائي لمحة تاريخية قصيرة لينجز عملا أدبيا يتصف بالثراء والعمق، فلا يفصل بين التاريخي والمتخيل سوى خيط رفيع لا يكاد يراه القارئ.. فإذا النص، وكما يقول آدم فتحي مترجم رواية جيلبرت سينويه (ابن سينا.. أو الطريق إلى أصفهان) «أقرب إلى الحقيقة الافتراضية منه إلى أي شيء آخر». ويضيف آدم فتحي إنه «انطلاقا من كل ذلك، يمكن القول إجمالا إن روايات جيلبرت سينويه تطرح في معظمها سؤال الرواية التاريخية الأهم: أين يقف التاريخ، وأين تبدأ الرواية».. حيث التاريخ ليس هدفا في ذاته كغاية تعليمية أو توثيقية، ولكنه وسيلة لخلق واقع سردي مختلف. وهذا هو النهج الذي سلكه سينويه في (ابنة النيل) و(المصرية) و(اللوح الأزرق).. وبقية رواياته التاريخية. في الرواية التاريخية يبدأ الأدب حيث ينتهي التاريخ، يغدو التاريخ وسيلـة لا غاية، وجسرا للكتابة، أي الكتابة الإبداعية التي تبعث التاريخ من سباته الطويل، وتجعله متحركا نابضا بالحياة والناس. وهي مزيج من التاريخي والمتخيل، ومن الواقعي والفنتازي، ومن المادي والحلمي، في محاولة لقـراءة كتـاب الوجـود، أو لإزاحة أستار النسيان عن الماضي لنراه بعين الأديب أو الفنان عوضا عن عين المؤرخ .. ألم يقل أحدهم «إن التاريخ من الخطورة بحيث لا يمكن تركه للمؤرخين..»؟ما الذي يمكن أن يقوله المؤرخ عن حياة وعصر الشاعر عمر الخيام أكثر مما قاله أمين معلوف في روايته الممتعة (سمرقند)؟ وهل يضاهي عمل المؤرخ وهو يرصد سيرة جنكيزخان رواية كون إيغلدن (ذئب السهول) أو الجزء الثاني من هذه الملحمة التاريخية المعنون (سادة البراراي)؟ ما الذي يفعله المؤرخ غير رصد الحوادث وتدوين الأرقام .. كل شيء صامت وجامد وغائب عن الوجود غياب (الأميرة النائمة) في القصة الخيالية المعروفة، حتى تلمحه عين الأدب السحرية فيستيقظ .. إنها عين الفن التي تحيل كل ما تقع عليه إلى حياة مفعمة بالوجود مكتظة بالمعنى .. العين التي ترى ما وراء الأشياء، وتستقرئ الحوادث والأرقام الصماء .. بدون تلك اللمسة السحرية يغدو التاريخ مقبرة زاخرة بالمومياء، أو فترينـة لعرض القطع الأثريـة النادرة. يبدو أننا بحاجة إلى مسلسلات تاريخية تتكئ على أعمال روائية من هذا الوزن. وإذا كان لا بد من الاصطفاف مع حقيقة ما، فإني سأصف، وبقوة، مع ما يسميه آدم فتحي بالحقيقة الافتراضية .. وللناس فيما يعشقون مذاهب!.hsn_saba@hotmail.com