نجيب الزامل
«أكثر من مليارين من البشرِ معرضون للإصابة بأنفلونزا الخنازير. آلافُ المدارسِ ستُقفـَل. وملايين سيكون من المفروض تطعيمهم.. مرتين! إنها العدوى..»- مجلة التايم الأمريكية.ويهمنا أن نكون عالمين بالخطط الدولية للاستعداد والمقاومة، فمن المعروف من تاريخ تعامل البشر مع الأمراض الوبائية، أنه مهما تقدم البحثُ الطبي والجرثومي والصيدلي خطوات، تقدم الفيروسُ خطوة.. أي أننا كبشر في ملاحقةٍ مستمرةٍ مع الفيروس، مثل ملاحم الإغريق الدهرية.. تبدأ ولا تنتهي. الفيروسُ دائما هو الذي يسبق، ونحن دائما نلهث للحاق به. هذا ما يعترف به العلماءُ مسبلين أياديهم بحقيقةٍ علميةٍ لم تتغير حتى اليوم، ولا يبدو أنها ستتغير في المستقبل القريب على الأقل.. أيُ حربٍ ضد الفيروس، ومرضُ الأنفلونزا مرضٌ فيروسي، تبدأ، وتنتهي بأهم استراتيجيات المعركة : الوقاية، والاستعداد. وأولُ طرقِ الوقايةِ، وهي الخطوة الأولى الأهم : تقليلُ فرص بيئة انتشار الفيروس، وهي التجمعات. والمدارسٌ مثالٌ ممتازٌ للتجمعات. صحيحٌ أن هذا المرضَ مازال لا يشكل تهديداً أكيدا على الحياة، فبعضُ المتفائلين من الخبراء يقولون يكفي للشفاء منه الراحةُ التامة مع الإكثار من السوائل، ولكنهم يقصدون الشخصَ المكتملَ الوظائفِ المناعية، ويشكل تهديداً صريحا للأطفال والكبار بالسن ومن يعانون من أمراض وعوارض نقص المناعة. حسناً، يبدو لي في غاية المنطق، لو كنت مسئولا في التعليم أو في الصحة أن أعلـِّقَ الدراسة بالحال لفترةٍ تجعل من الممكن قياس قوة الاستعداد، وقياس قوة الوباء بعد العُطـَلِ وقبل مقدم الشتاء.. ونابليون كان يملك جيشاً جراراً فاتحاً، وفي أصقاع روسيا تفلـَّلـَتْ قوّاتـُه ونكصَ خائباً، وقال قولته الشهيرة : «هزمنى الجنرالُ شتاء». أي، لم يهزمه الجيشُ القيصري الروسي بل هزمه ذاك الكائنُ الذي لا يُرى إلا بالمجاهر القوية : الفيروس!قامتْ وزارتا الصحة والتعليم بإبرام اتفاقيةِ تعاون لرفع الوعي الصحي عن المرض في المدارس وهي خطوةٌ تحملُ كل النوايا الحسنة، ولكنها تحمل مبررات المخاطرة. فهنا نكون بدأنا بالعنصر الثاني لا الأول، أي تركنا الوقاية، وذهبنا للاستعداد.. إنها نقل بيدق الشطرنج للمربع الخاطئ، في لعبةٍ ذهنيةٍ عاليةِ الذكاءِ مع الفيروس. فالفيروسُ منحه اللهُ قدرةً رهيبة – وإرهابية - لإعادة تشكيل بنائه الهندسي الفسيولوجي - وتعطيه إستراتيجيةُ الاستعدادِ فسحةً للتوقّي والتشكل وفك رموز الأدوية والتحصينات. الحقيقة الأولى، بالمنطق الذي نملكه للدفاع والتحصّن ضد المرض هو القولُ الشعبي الشائع : «بابُ يأتيك منه ريح، اقفله واستريح». وتطبيقه يعني سدّ باب التجمعاتِ في المدارس.. إلى حين.إن الأطفالَ بطبيعتهم لن يطبقوا دروسَ التوعية التي ستطلقها اتفاقية الصحة والتعليم حتى ولو وعوها، بل ان هذا هو سببُ كونهم أطفالا، انهم لا يعبأون إلا بممارسة طفولتهم بالكامل، ولو كانت حياتهم على الخط! وتعلمنا أنه في البيروقراطيات الكبرى، ونعني هنا إدارة الجموع، أنه لا يمكنك تطبيقُ ما تعِظُ به، ولا تنفـِّذُ ما تخطط من أجلِهِ بالتمام والكمال، فالخروقاتُ طبيعة هذه التنظيمات، وضعف الحرص والمتابعة مع مرور الوقت. ووضعُ كل أوراقنا في سلةِ توعية ملايين الطلاب، وعشرات الآلاف من المدرسين.. شيءٌ يدعو لرفع حاجب الاستفهام؟إن كان هناك رأيٌ آخر يخطئ ما قلناه، ويصوِّب الرأيَ من أجل مصلحة هؤلاء الزاحفين للمدارس بعد أيام.. فوجهونا. والا نخاف، أن يعمدَ الحريصون على عدم إرسال أولادهم للمدارس بالأيام الأولى.. أمرٌ لا نريده أن يربك جداولَ التعليم.najeeb@sahara.com