محمد العلي

محمد العلي

حين تجعل من القاموس ناطقا رسميا باسم السيد يعرب بن قحطان ستجد أن كلمتي سهر وسهاد مترادفتان.. ولكن حين تصغي إلى المخزون في سمعك من إيحاءات الكلمتين خلال الاستخدام اليومي, ستجد أن بينهما اختلافا بسعة صدر القاموس الشعري.القدماء عرفوا السهاد معرفة مغنية.. وكانت أولى دلالاته لديهم هي أن يكون الإنسان منفردا في غابة من الظلام والوحشة والأرق.. إنه صريع الحنين إلى شيء مفقود ابتداء من غياب النوم بكل عفويته وبساطته إلى غياب الحبيب.. وبذلك يكون السهاد كلمة صحراوية تعوي فيها الذئاب.أما السهر فله في وقتنا الحاضر معان أخرى لم يعرفها القدماء.. منها ذلك الذي يشتعل بين العاشقين (والنار عم تغفا بحضن الموقدة) ومنها ذاك الذي يقضيه العالم في مختبره لاستيلاد دواء ينقذ به ملايين المرضى.. ومنه ما يستعذبه الفيلسوف وهو يفتح بابا جديدا لرؤية معاني الحياة الشاردة عن العيون.. أما ليل الشاعر فهو ذاك الذي تجتمع فيه كل الألوان وتملؤه البروق السريعة التي يحاول الشاعر إدخالها في مفردات اللغة.صوت السهارىهكذا يقتنص عوض دوخي نوعا من الأصوات له عذوبته الخاصة.. ليس صوت الموسيقى أو تغريد الطيور أو غناء إبراهيم الموصلي.. بل صوت الساهرين الذي تختلط فيه الأفراح والأحزان والحب والكرة والأشجان التي لا يسعها الفضاء فترشد إلى الداخل لتتحول إلى أنين صامت.أنت لا تستطيع أن تعدد ألوان السهر وأصناف الساهرين ولكنها كلها في الحاضر تغلب عليها المعاني الإيجابية ما عدا استثناءات قليلة مثل:(أنا عندي حنينما بعرف لمنكل ليلة بيخطفني من بين السهرانين)..أما السهاد, فأنت تستطيع أن تأخذ بتلابيبه وترميه في سلة واحدة.(يا سهر بنشرين)هل تختلف معاني السهر توهجا وخفوتا باختلاف الفصول؟ فيروز تقول: نعم: ونحن الذين مررنا بشهر رمضان في الصيف وفي الشتاء نعرف جيدا أن السهر في ليالي الصيف أجمل وأروع من ليالي الشتاء.. ولكن هذا كان قبل أن نعرف (الفضائيات) أما حين عرفناها.. فقد اختفى ذات المعنى الروحي للسهر.. جاء المعني الجسدي.. سهر الضحك على لا شيء.. ما عدا تغييب ما يستحق أن يسهر لأجله.لهو ولعب وتفاخر بأصناف الطعام.. وما عشت أراك الدهر عجبا.